أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني «حشد» ورقة سياسات أعدتها الباحثة بغداد فطافطة، حول استيلاء سلطات الاحتلال الإسرائيلي على مركز قلنديا للتدريب التابع لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» شمال مدينة القدس، محذرة من أن هذا الإجراء يمثل انتهاكاً جسيماً للحصانة القانونية للوكالة وممتلكاتها، واعتداءً مباشراً على حق اللاجئين الفلسطينيين في التعليم والتدريب والعمل والحماية.
وتوضح الورقة أن مركز قلنديا التدريبي يُعد من أقدم وأهم مؤسسات الأونروا التعليمية والتدريبية، إذ أنشئ عام 1952 على مساحة تقارب 45 دونماً، ويقدم برامج تدريب مهني وتعليمي للاجئين الفلسطينيين، بما في ذلك تدريب الشباب والفتيات في تخصصات فنية ومهنية متعددة. وتشير إلى أن المركز يستوعب مئات الطلبة سنوياً، ويوفر فرصاً أساسية للتأهيل المهني والاندماج الاقتصادي، لا سيما لفئات الشباب واللاجئين من مخيم قلنديا والمناطق المحيطة.
وتؤكد الورقة أن الاستيلاء على المركز لا يمثل واقعة إدارية أو عقارية منفصلة، بل يندرج في سياق أوسع من محاولات تقويض دور الأونروا في القدس الشرقية، واستهداف وجودها القانوني والمؤسسي، وإضعاف خدماتها التعليمية والصحية والإغاثية، بما يهدد مستقبل عشرات آلاف اللاجئين الفلسطينيين ويمس استقرارهم الاجتماعي والاقتصادي.
وتشير الورقة إلى أن سلطات الاحتلال أقدمت على إغلاق المركز ورفع الأعلام الإسرائيلية فوقه، ومنع العاملين والطلبة من الوصول إليه، في إجراءات وصفتها الورقة بأنها تمثل تعدياً مباشراً على منشأة أممية تتمتع بالحصانة، وتستهدف حرمان اللاجئين الفلسطينيين من أحد أهم مراكز التدريب والتأهيل المهني في القدس ومحيطها.
وتلفت الورقة إلى أن مركز قلنديا لا يقتصر دوره على تقديم برامج مهنية وفنية، بل يشكل مساحة تعليمية وتنموية توفر للشباب الفلسطينيين فرصاً لاكتساب مهارات تساعدهم في الحصول على العمل، ومواجهة البطالة والفقر، وتعزيز قدرتهم على الصمود في ظل القيود المفروضة على الحركة والعمل والتعليم في القدس الشرقية ومخيمات اللاجئين.
وتؤكد الباحثة بغداد فطافطة، من خلال الورقة، أن الاستيلاء على المركز يهدد المسار التعليمي والمهني لمئات الطلبة، ويحرمهم من الوصول إلى التدريب التخصصي، ويؤثر سلباً على الكادر التعليمي والإداري والعاملين في المؤسسة، كما يضعف قدرة الأونروا على مواصلة تقديم خدماتها للاجئين الفلسطينيين في منطقة تعد من أكثر المناطق تأثراً بسياسات الاحتلال والاستيطان والتهجير.
وتوضح الورقة أن الأونروا أنشئت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 لعام 1949، لتقديم الإغاثة والخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين، وأن وجودها وخدماتها يرتبطان بالتزام المجتمع الدولي بمسؤوليته تجاه قضية اللاجئين إلى حين التوصل إلى حل عادل لقضيتهم، وفق قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار 194.
وتشير إلى أن المركز يتمتع بالحماية المقررة لممتلكات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، ولا يجوز الاستيلاء عليه أو مصادرته أو إخضاعه لإجراءات إدارية محلية، استناداً إلى ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946، وما تضمنته من ضمانات لحصانة الممتلكات والمباني والسجلات التابعة للأمم المتحدة من التفتيش أو المصادرة أو التدخل غير المشروع.
وتؤكد الورقة أن محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو 2024، أكدت عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وأن على إسرائيل وقف السياسات والممارسات المخالفة للقانون الدولي وإنهاء وجودها غير القانوني. وترى الورقة أن الاستيلاء على مركز قلنديا يخالف هذه المبادئ ويشكل امتداداً لسياسات فرض السيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية، في تناقض مع مكانتها القانونية بوصفها أرضاً محتلة.
وتوضح الورقة أن حماية الأونروا في القدس الشرقية والأراضي الفلسطينية المحتلة تستند كذلك إلى قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، التي تلزم القوة القائمة بالاحتلال بحماية السكان المدنيين والأعيان المدنية، وعدم عرقلة عمل الهيئات الإنسانية المحايدة. كما تحظر فرض تدابير من شأنها إلحاق الضرر بالمؤسسات المدنية والتعليمية أو تقويض الخدمات الضرورية للسكان الواقعين تحت الاحتلال.
وتشير الورقة إلى أن إغلاق المركز يعمق الأزمة التعليمية والاجتماعية والاقتصادية للاجئين الفلسطينيين، ويفاقم البطالة والفقر، ويحد من فرص الشباب في الحصول على التعليم والتدريب والعمل، ويقوض أحد أهم أدوات التمكين الاقتصادي والتنمية المجتمعية للفئات اللاجئة، خصوصاً في ظل محدودية البدائل التعليمية والمهنية المتاحة.
وتحذر «حشد» من أن هذا الإجراء لا يستهدف منشأة أممية فحسب، بل يستهدف منظومة الحماية الدولية المقدمة للاجئين الفلسطينيين، ويمهد لتقويض الوجود المؤسسي للأونروا في القدس الشرقية، بما يحمله ذلك من انعكاسات خطيرة على الحقوق التعليمية والاجتماعية والاقتصادية للاجئين وعلى حماية هويتهم الوطنية وحقوقهم غير القابلة للتصرف.
وتطالب الهيئة الدولية «حشد» الأمم المتحدة ووكالة الأونروا باتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لضمان حماية المركز واستعادة عمله، ورفض أي إجراءات تمس حصانة ممتلكات الأمم المتحدة أو تنتقص من ولاية الأونروا وخدماتها للاجئين الفلسطينيين.
كما تدعو الهيئة المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط سياسية وقانونية ودبلوماسية فورية على سلطات الاحتلال لإلغاء قرار الاستيلاء على المركز، وضمان تمكين العاملين والطلبة من العودة إليه واستئناف العملية التعليمية والتدريبية دون عوائق.
وتطالب «حشد» الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف، ومجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة، والمفوض السامي لحقوق الإنسان، باتخاذ إجراءات عملية لحماية مؤسسات الأونروا في القدس الشرقية، ومنع استهدافها أو تعطيل عملها، وضمان استمرار خدماتها الإنسانية والتعليمية والصحية للاجئين الفلسطينيين.
كما تدعو إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة في انتهاكات الاحتلال بحق مؤسسات الأمم المتحدة والأونروا في القدس الشرقية والأراضي الفلسطينية المحتلة، وإحالة نتائج التحقيق إلى الجهات القضائية المختصة، بما يضمن المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
وتؤكد الهيئة الدولية «حشد» أن حماية مركز قلنديا التدريبي التابع للأونروا تمثل مسؤولية دولية مباشرة، وأن أي صمت أو تقاعس عن مواجهة الاستيلاء عليه يهدد بتشجيع مزيد من الإجراءات التي تستهدف الوجود الأممي وحقوق اللاجئين الفلسطينيين. كما تشدد على أن صون دور الأونروا وخدماتها هو جزء لا يتجزأ من حماية حق اللاجئين الفلسطينيين في التعليم والعمل والكرامة، ومن التمسك بحقهم في العودة إلى ديارهم التي هجروا منها.