بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين
سبعة وعشرون عاماً على رحيل الأديب والقاص والباحث والتربوي الفلسطيني الدكتور محمود موعد (1942–1997)
لم تكن علاقتي بالدكتور محمود موعد علاقة قارئ بكاتب فحسب، ولا صداقةً عابرة صنعتها المصادفات؛ كانت وشائجَ معرفية وإنسانية عميقة، اتكأت على محبة صادقة، وحوارٍ لا ينقطع، وإيمانٍ مشترك بأن الأدب ليس ترفاً لغوياً، بل مسؤولية تجاه الإنسان والذاكرة والوطن. وقد وجدتُ في محمود، الإنسان قبل الكاتب، صديقاً نادراً، تتسع روحه للحوار، ويظلّ حضوره في الذاكرة حيّاً، كأن رحيله لم يستطع أن يطوي موعد اللقاء.
أما ما انتبهتُ إليه من أدبه، فقد كان بالنسبة إليّ أكثر من نصوصٍ تُقرأ؛ كان كشفاً عن حساسيةٍ إنسانية عالية، وعن وعيٍ عميق بتفاصيل الإنسان الفلسطيني والعربي، وبذلك التوتر الخفي بين الجرح والأمل، وبين قسوة الواقع وإصرار الروح على أن تظلّ حيّة. وفي قصصه ونصوصه لمستُ كاتباً يعرف كيف يحوّل التفاصيل الصغيرة إلى دلالات كبيرة، وكيف يجعل من الحكاية مرآةً للإنسان في ضعفه وأسئلته وانكساراته ومقاومته.
وكلما عدتُ إلى أدبه، ازددتُ يقيناً بأن د.محمود موعد لم يكن يكتب ليملأ صفحات، بل ليترك أثراً في الوجدان؛ ولذلك بقيت صداقته في داخلي قرينةً لأدبه، وبقي أدبه واحدًا من الأبواب التي أعبر منها إلى صورته: الكاتب الذي لا يخون مواعيد اللقاء، حتى بعد الغياب.
هناك كتّابٌ يرحلون من الحياة، ولا يرحلون من الذاكرة؛ لأنهم لا يتركون وراءهم كتباً فحسب، وإنما يتركون طريقةً في النظر إلى العالم، وضميراً ثقافياً، وأثراً إنسانياً يتجاوز حدود السيرة الفردية إلى فضاء الذاكرة الجمعية. ومن هؤلاء يأتي الأديب والقاص الفلسطيني الدكتور محمود موعد، الذي غاب جسداً في دمشق، وظل حاضراً في النص، وفي فلسطين التي حملها في وجدانه، وفي ذاكرة أصدقائه وتلامذته ومحبّيه.
بعد سبعة وعشرين عاماً على رحيله، لا تبدو استعادة محمود موعد مجرد وقفةٍ في تقويم الذكريات، ولا مناسبةً احتفالية لاستحضار اسم كاتب مضى؛ إنها محاولة لاستعادة صفحة من صفحات الأدب الفلسطيني والعربي، وقراءة سيرة رجلٍ كان وجوده الثقافي موزعاً بين فلسطين التي وُلد فيها، ودمشق التي احتضنت طفولته وشبابه ومشروعه، والقاهرة التي وسّعت أفق تكوينه، وباريس التي فتحت أمامه أبواب الدرس الحديث، ثم عاد من فضائها الأكاديمي إلى العربية حاملاً معرفةً واسعة، دون أن يفقد البوصلة الأولى: فلسطين.
ولعل العبارة التي تصلح مفتاحاً لسيرته كلها هي:
محمود موعد لا يخون مواعيد اللقاء.
فالذين عرفوه لا يستعيدون كاتباً وحسب، بل يستعيدون إنساناً كان يملك قدرة نادرة على الجمع بين الثقافة والصداقة، بين صرامة الموقف ورهافة الروح، بين الانفتاح على الآخر والتشبث بما يؤمن به، وبين المعرفة الأكاديمية وحرارة التجربة الإنسانية.
صفورية: البداية التي حملها المنفى
وُلد محمود موعد في صفورية، قضاء الناصرة، عام 1942، في فلسطين التي كانت آنذاك على موعد مع واحدة من أكثر المآسي رسوخاً في التاريخ الفلسطيني الحديث. وبعد نكبة عام 1948، لجأ مع أسرته إلى دمشق، فدخلت فلسطين في تكوينه لا باعتبارها مكان الميلاد فقط، بل باعتبارها وطناً مفقوداً وذاكرةً حيةً وجرحاً مفتوحاً.
وهنا تكمن إحدى المفارقات العميقة في سيرته: لقد خرج محمود موعد من فلسطين جسداً وهو في طفولته، لكنه لم يخرج منها وجداناً. كانت صفورية، بما تختزنه من طفولة ومكان وذاكرة، أشبه ببذرةٍ أولى ظلت تعمل في أعماقه، ثم راحت تنمو داخل كتاباته وأفكاره ومواقفه.
لم تكن فلسطين عنده شعاراً يُرفع عند الحاجة، ولا خلفيةً أيديولوجية تضاف إلى النص من خارجه؛ كانت جزءاً من البنية العميقة للوعي. ولذلك ظل سؤال الوطن والاقتلاع والذاكرة والكرامة الإنسانية حاضراً في تجربته الأدبية والثقافية.
كان المنفى، في تجربته، ليس مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، وإنما إعادة تشكيل للذات.
ولذلك يمكن قراءة محمود موعد بوصفه واحداً من أولئك الفلسطينيين الذين حوّلوا المنفى من جغرافيا الفقد إلى جغرافيا للإبداع.
دمشق: وطنٌ ثانٍ وفضاءٌ للثقافة
في دمشق تلقى محمود موعد تعليمه، ونشأ في بيئة ثقافية وأدبية أتاحت له أن يتفاعل مع الحياة السورية ومثقفيها وأدبائها. ثم تابع دراسته الجامعية في جامعة دمشق، قبل أن يوسّع أفق تكوينه الأكاديمي في جامعة القاهرة.
ولم يكن التعليم بالنسبة إليه طريقاً للحصول على الشهادات، بل مشروعاً متكاملاً لبناء الإنسان والمثقف.
ثم جاءت باريس، والسوربون تحديداً، لتمنح مشروعه العلمي امتداداً آخر؛ فحصل عام 1978 على الدكتوراه في الأدب الحديث من جامعة السوربون.
وهكذا تشكلت شخصيته الثقافية من تقاطع فضاءات متعددة:
فلسطين ـ دمشق ـ القاهرة ـ باريس.
غير أن تعدد الأمكنة لم يكن تعدداً في الهوية، بل اتساعاً في الرؤية.
كان قادراً على أن يذهب بعيداً في الثقافة الغربية دون أن يفقد جذوره العربية، وأن يقرأ الآخر دون أن يتنكر لذاته، وأن يستفيد من المناهج الحديثة دون أن يحوّلها إلى بديل عن تجربته التاريخية والثقافية.
وهذه إحدى السمات التي تجعل تجربته جديرة بإعادة القراءة اليوم.
الأستاذ الذي جعل الثقافة فعلاً
عاد محمود موعد من باريس حاملاً الدكتوراه، لكنه لم يجعل المعرفة الأكاديمية برجاً عاجياً. عمل أستاذاً جامعياً في كلية الآداب، قسم اللغة العربية، كما درّس في المعهد العالي للعلوم المسرحية، وتولى مسؤوليات في مجال التربية والتعليم العالي.
وفي هذا الجانب تحديداً تبدو شخصيته أكثر اتساعاً من حدود الكاتب.
لقد كان يرى الثقافة فعلاً اجتماعياً، والتعليم مشروعاً لتكوين الإنسان، والأدب مسؤوليةً تتجاوز حدود الكتاب.
ولهذا تداخل في تجربته الكاتب والأستاذ والباحث والتربوي والمثقف.
ولعل هذا التعدد هو الذي منح مشروعه تلك القدرة على النظر إلى الإنسان من زوايا مختلفة: الإنسان الفرد، والإنسان المقهور، والإنسان الذي يصطدم بالفساد، والإنسان الذي يحمل ذاكرته، والإنسان الذي يحاول أن يجد معنى لحياته وسط عالم مضطرب.
القصة القصيرة: مختبر الإنسان
إذا كان ثمة جنس أدبي يمكن أن يمثل قلب تجربة محمود موعد، فهو القصة القصيرة.
في مجموعاته القصصية، ولا سيما «رباعية الموت والجنون» و*«فحيح المرايا»* و*«سخريات الظلال»*، تبدو القصة لديه مختبراً للوعي الإنساني، ومجالاً لاختبار العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين الحقيقة والوهم، وبين الأخلاق والمصلحة، وبين الضمير والرغبة.
إنه لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يحاول النفاذ إلى المنطقة التي تسبق الفعل: إلى الهواجس، والخوف، والرغبة، والندم، والقلق، والوعي الملتبس.
وهذا ما يجعل شخصياته في كثير من الأحيان ليست شخصياتٍ خارجية فحسب، وإنما مرايا نفسية.
العنوان نفسه «فحيح المرايا» يحمل مفتاحاً دالاً: المرآة لا تعكس الوجه فقط؛ إنها تكشف ما يحاول الإنسان إخفاءه عن نفسه.
أما «رباعية الموت والجنون» فتضع القارئ منذ العتبة الأولى أمام عالم تتجاور فيه هشاشة العقل مع قسوة الواقع، ويصبح الموت أحياناً نتيجةً للجنون الاجتماعي والأخلاقي، لا مجرد نهاية بيولوجية.
«سخريات الظلال»: حين يكتب الواقع نفسه
ومن الأعمال التي تستحق عناية خاصة مجموعة «سخريات الظلال»، بما تتضمنه من قصص تكشف قدرة محمود موعد على المزج بين الواقعي والنفسي والرمزي.
وتأتي قصة «الاختبار» مثالاً لافتاً على هذه القدرة.
فالقصة تبدأ من منطقة ملتبسة بين الحقيقة والوهم، وتستدعي أجواء دوستويفسكي والمرض النفسي والقلق، ثم تنقل القارئ تدريجياً إلى فضاء أخلاقي شديد التعقيد.
الرجل الذي يطرق الباب ليلاً، والحقيبة السوداء، والمال، والاعتراف، والدم، والملاءة البيضاء، والسكين، والحديقة، ثم اختفاء الجثة والحقيبة، كلها تتحول إلى علامات في بنية سردية تقوم على المفارقة.
غير أن الأهم ليس الحدث الغرائبي ذاته، وإنما الاختبار الأخلاقي الذي يضع الإنسان أمام نفسه.
إن بطل القصة لا يُختبر أمام القانون فقط؛ إنه يُختبر أمام ضميره.
والقاتل الذي يأتي ليكفّر عن جرائمه يتحول إلى مقتول، والضحية المحتملة تتحول إلى قاتل، والمال الذي يُراد به التكفير يتحول إلى شرك، والاعتراف الذي كان يفترض أن يقود إلى التطهر ينتهي إلى مزيد من الجريمة.
وهنا يبلغ السرد منطقة شديدة الذكاء:
لا أحد يخرج بريئاً تماماً من غرفة الاختبار.
والأكثر دلالة أن الحقيبة التي كان يُفترض أن تحتوي المال لا تحتوي في النهاية إلا على قصاصات تحمل عناوين مقالات الكاتب.
وهكذا يصبح الأدب نفسه جزءاً من الحدث.
كأن محمود موعد يقول إن الكلمة التي يكتبها المثقف قد تبدو في لحظة ما مجرد مقال، لكنها قد تتحول، في أعماق قارئها، إلى محكمة داخلية.
وهذه واحدة من أجمل الأفكار التي تكشفها القصة: الأدب لا يغيّر العالم دائماً بالصوت المرتفع؛ قد يغيّر الإنسان بصوت الضمير.
من فلسطين إلى الإنسان
لم تكن فلسطينية محمود موعد ضيقةً أو انغلاقية.
كان فلسطينياً من موقع إنساني واسع.
وهذا ما يجعل حضور فلسطين في تجربته أكثر عمقاً؛ فهي لم تكن بديلاً عن الإنسان، وإنما طريقاً إليه.
فالوطن عنده ليس مجرد حدود سياسية، بل ذاكرة وكرامة وعدالة وحق في الوجود.
ومن هنا يمكن فهم اهتمامه بقضايا الفساد والمحسوبية والرشوة والتهريب والثراء غير المشروع وسقوط القيم، وهي القضايا التي تظهر في كتاباته القصصية والصحفية.
لقد كان يرى أن الدفاع عن فلسطين لا ينفصل عن الدفاع عن الإنسان العربي، وأن مقاومة الاحتلال لا تكتمل إذا ظل الإنسان في الداخل مهدداً بالفساد والقهر وانهيار القيم.
شاعرٌ يعبر اللغات
وإلى جانب القصة، اتسعت تجربته للشعر والترجمة.
ومن الأعمال التي تُذكر في سيرته «برقوق من فلسطين»، وهو عمل شعري ارتبط باللغة الفرنسية وترجم إلى العربية، كما ترد في المصادر إشارات إلى «عاشق من فلسطين».
وهنا تظهر مفارقة جميلة في تجربته: الفلسطيني الذي اقتُلع من المكان، يحمل فلسطين إلى لغة أخرى.
كأن الوطن لا يحتاج دائماً إلى أن يُكتب بلغته الأم كي يصل إلى الآخر؛ يكفي أن يكون حاضراً في جوهر التجربة.
فالترجمة، في هذه الحالة، لم تكن عبوراً من لغة إلى لغة فقط، وإنما كانت عبوراً من ذاكرة إلى ذاكرة، ومن جرح محلي إلى أفق إنساني.
المترجم: حوارٌ آخر مع الآخر
وفي ميدان الترجمة، ارتبط اسمه بترجمة أعمال روائية، ومن بينها ما يرد في الببليوغرافيات الخاصة به من ترجمة رواية «العجوز الشريرة» المنسوبة إلى غابرييل غارسيا ماركيز، إضافة إلى «مدن الخيال» المرتبطة بإيتالو كالفينو.
والترجمة هنا ليست هامشاً في تجربته؛ إنها امتداد طبيعي لرؤيته الثقافية.
فمن يقرأ الآخر لا يعني أنه يتخلى عن ذاته.
على العكس، إن الوعي العميق بالذات يحتاج إلى معرفة الآخر.
ولذلك استطاع محمود موعد أن يجمع بين ثقافتين: ثقافة عربية أصيلة، وانفتاح واسع على الثقافة الغربية.
وكان هذا الجمع بين الضفتين أحد وجوه تميزه.
الإنسان قبل الكاتب
لكن الذين عرفوا محمود موعد عن قرب يقدمون لنا صورة تتجاوز الكتب والمناصب.
في الشهادات التي استُعيدت في الندوات التي أقيمت حول تجربته، تتكرر صورة الإنسان المحب، الودود، المختلف عن السائد في علاقته بالآخرين.
ويُنقل عن نجله الأديب والمترجم عماد موعد أنه كان يجمع المتناقضين، وصديقاً للمختلفين، وقادراً على الحب، ولذلك تخلص من الحقد؛ وكان رقيقاً، لكنه عنيد في مبادئه وفي حبه لفلسطين، مع عناد منضبط بالأخلاق ومنزه عن هوى النفس.
وهذه الشهادة لا تصف إنساناً فقط؛ إنها تشرح جانباً من فلسفته في الحياة.
فالمثقف الحقيقي لا يقاس بما يكتبه عن القيم فحسب، وإنما بالطريقة التي يعيش بها هذه القيم.
ولعل أجمل ما في هذه الشهادة قوله إن محمود موعد كان يفرح لإبداع الآخرين وكأنه إبداعه.
إنها خصلة نادرة في الحياة الثقافية، حيث تتحول المنافسة أحياناً إلى حساسية، والاختلاف إلى خصومة، والنجاح الفردي إلى رغبة في إلغاء الآخرين.
أما محمود موعد، وفق هذه الشهادة، فكان يرى في نجاح الآخر إضافةً إلى المشهد الثقافي كله.
شهادة المثقفين: ذاكرة رجلٍ في ذاكرة مدينة
في الندوة التي أقيمت في المركز الثقافي في أبو رمانة لاستعادة تجربته، تضافرت شهادات النقاد والأدباء والشعراء على رسم صورة مركبة لهذا الرجل.
يرى الناقد عبد النبي اصطيف أن أدبه احتوى وعياً إنسانياً يرتكز إلى المنطق، وأن قصصه تكشف كثيراً مما كان يدور في ذهنه في لحظات الصمت، مع حضور واضح للصدق والقضية الفلسطينية، وتداخل الواقع والخيال.
أما الناقدة ماجدة حمود فتراه فخراً لفلسطين، ومثقفاً استثنائياً جمع بين القول والفعل، وانفتح على الثقافتين الغربية والعربية، مع تمسكه بالحلم الفلسطيني وبقيم التحرير والعودة.
ويشير الناقد ثائر عودة إلى محمود موعد الفلسطيني الإنسان والمثقف المجتهد، وإلى دوره في الحياة الثقافية وفي تكوين وعي المخيم، جامعاً بين القصة والشعر والرواية والترجمة.
ويستعيد الأديب حسن حميد علاقته الإنسانية والثقافية به، واشتراكهما في حمل القضية الفلسطينية إلى المؤسسات والملتقيات الثقافية.
أما الشاعر محمد خالد الخضر فيؤكد أن فلسطين كانت حاضرة في كتاباته ومواقفه، مستشهداً بتجربته الشعرية، ومنها العمل الذي صدر بالفرنسية وحمل فلسطين إلى فضاء لغوي وثقافي أوسع.
وتأتي شهادة الناقد أحمد هلال لتضع التجربة كلها في سياقها الأوسع، حين ينظر إلى محمود موعد بوصفه ذاكرة ثقافية خصبة، ورجلاً تماهى مع حلمه، وجعل من الحبر وسيلةً لإضاءة أزمنة الإنسان والمكان.
إن اجتماع هذه الشهادات بعد سنوات طويلة من رحيله يثبت أن الإنسان الثقافي لا يعيش في كتبه فقط، وإنما يعيش أيضاً في ذاكرة الذين مروا به.
أنطولوجيا محمود موعد: ماذا يبقى من الكاتب؟
حين نضع سيرة محمود موعد أمام سؤال أنطولوجي، فإن السؤال لا يعود:
ماذا كتب؟
بل يصبح:
ماذا بقي منه؟
بقيت فلسطين.
وبقيت القصة.
وبقي سؤال الإنسان.
وبقي الإيمان بأن الثقافة ليست زينةً للحياة، وإنما إحدى وسائل إنقاذها.
وبقيت صورة المثقف الذي لا يفصل بين المعرفة والأخلاق.
وبقيت تجربة رجلٍ استطاع أن يعبر من المخيم إلى الجامعة، ومن دمشق إلى القاهرة، ومن القاهرة إلى السوربون، ومن السوربون إلى فضاء الأدب العربي، دون أن يفقد الطريق إلى صفورية.
وهنا تكمن قيمة سيرته الأنطولوجية: لقد عاش بين الأمكنة، لكنه لم يكن بلا مكان.
كان مكانه الأعمق هو الذاكرة.
محمود موعد والجيل القادم
إن استعادة محمود موعد اليوم ليست استعادة للماضي من أجل الماضي، وإنما محاولة لتقديم نموذج ثقافي للأجيال الجديدة.
نحن في زمنٍ تتكاثر فيه المعلومات وتقل فيه المعرفة، وتتسع فيه المنصات ويضيق فيه الكتاب، وتعلو فيه الأصوات ويخفت فيه أحياناً صوت الضمير.
وفي مثل هذا الزمن تصبح سيرة محمود موعد ذات دلالة مضاعفة.
فهو يقدم نموذجاً للمثقف الذي درس في دمشق والقاهرة وباريس، ثم لم يجعل شهاداته حجاباً بينه وبين الناس.
ويقدم نموذجاً للكاتب الذي لم يجعل القضية الفلسطينية خطاباً موسمياً.
ويقدم نموذجاً للمترجم الذي رأى في الانفتاح على الثقافات الأخرى إثراءً للذات لا محواً لها.
ويقدم نموذجاً للإنسان الذي استطاع أن يختلف دون أن يكره.
وهذه كلها قيم تحتاجها الأجيال أكثر مما تحتاج إلى أسماء جديدة.
الرحيل المبكر
رحل محمود موعد في دمشق عام 1997، عن عمر ناهز الخامسة والخمسين، في رحيل مبكر أوقف مشروعاً كان قابلاً لمزيد من الاتساع.
والموت المبكر للكاتب لا يعني انتهاء مشروعه؛ ففي أحيان كثيرة يجعل الموت النص أكثر قابليةً لإعادة القراءة، لأن القارئ يبدأ في رؤية الأعمال بوصفها شهادةً مكتملة على زمن لم يعد صاحبه قادراً على تفسيره.
لقد انطفأ الجسد، لكن النص بقي مفتوحاً.
وهذه هي المفارقة الجميلة في عنوان هذه الاستعادة:
محمود موعد لا يخون مواعيد اللقاء.
فهو يجيء كلما فتحنا كتاباً له.
يجيء كلما قرأنا قصةً عن إنسان يصارع نفسه.
يجيء كلما تحدثنا عن فلسطين بوصفها ذاكرةً وحقاً وهوية.
ويجيء كلما سألنا أنفسنا عن معنى أن يكون المرء مثقفاً دون أن يفقد إنسانيته.
ببلوغرافيا أولية
من الأعمال التي ترد في القوائم الببليوغرافية المتداولة عن محمود موعد:
١. رباعية الموت والجنون ـ قصص ـ دمشق، 1978.
٢. قصص من فلسطين ـ مختارات قصصية، مع ورود إشارات إلى إعداد_ ترجمة بالفرنسية في بعض الببليوغرافيات.
٣. فحيح المرايا ـ قصص ـ بيروت، 1988.
٤. العجوز الشريرة ـ ترجمة ـ 1989، مع ضرورة مراجعة بيانات الطبعة الأصلية والنسبة الببليوغرافية بدقة.
٥. عاشق من فلسطين ـ يرد ضمن قوائم أعماله الشعرية.
٦. برقوق من فلسطين ـ شعر بالفرنسية، مع ترجمة عربية متداولة.
٧. مدن الخيال/مدن الأحلام ـ عمل مرتبط بإيتالو كالفينو، وصدرت له طبعة عن دار المدى بعد رحيله بحسب القوائم المتداولة.
٨. سخريات الظلال ـ قصص ـ اتحاد الكتاب العرب، 1998.
كما تتضمن مادة «سخريات الظلال» عناوين قصصية عدة، منها:
«الاختبار»، «الصعود إلى الهاوية»، «قطط لا كالقطط»، «وأخيراً وصلت»، «فشة خلق»، «ومن الحب ما…»، «اللعبة الخطرة»، «الحلم الأخير»، «ولم لا!»، «ممنوعات»، «مسؤولية»، «رسالة إلى امرأة في خطر»، «اربطوا الأحزمة»، «ومع ذلك!»، «هذه الزلزلة»، «فنجان قهوة»، «مقبرة الأربعين»، «الفجر الكاذب»، «رسالة تأخرت»، «الراعي الصغير»، «غبار السنين»، «مدينة الأحلام»، «طيف من الماضي»، «مصائر»، «درس الخامسة»، «تلك الليلة الباريسية».
خاتمة: أن نحفظ الموعد
لم يكن محمود موعد اسماً عابراً في سجل الأدب الفلسطيني.
كان واحداً من أولئك الذين حملوا فلسطين في الذاكرة حين لم يعد ممكناً حملها في الجغرافيا، وحوّلوا المنفى إلى كتابة، والذاكرة إلى سرد، والألم إلى معرفة، والمعرفة إلى موقف.
ولد في صفورية، وعاش في دمشق، وتعلم في دمشق والقاهرة، وبلغ السوربون، ثم عاد إلى العربية، إلى الجامعة، إلى التعليم، إلى الثقافة، وإلى الإنسان.
وعندما رحل، لم يغلق الباب وراءه.
تركه موارباً.
لذلك فإن سبعة وعشرين عاماً على غيابه ليست سبعة وعشرين عاماً على انتهاء الحضور، بل سبعة وعشرون عاماً على استمرار السؤال.
ماذا نفعل بذاكرتنا؟
كيف نحفظ أسماء الذين صنعوا ثقافتنا قبل أن تبتلعهم عجلة النسيان؟
كيف نعيد قراءة الأدب الفلسطيني خارج الاختزال السياسي، ونراه بوصفه تجربة إنسانية وجمالية وفكرية؟
وكيف نعلّم أبناءنا أن الكاتب ليس تاريخ ميلاد ووفاة، ولا قائمة كتب، ولا صورةً معلقة على جدار، وإنما زمنٌ كامل من الأسئلة؟
ربما كان أفضل وفاء لمحمود موعد ألا نكتفي بذكرى رحيله، بل أن نعيد قراءة أعماله، وأن نجمع ما تفرق من آثاره، وأن نوثق طبعات كتبه ومقالاته وترجماته، وأن نحفظ شهادات معاصريه، وأن نضع تجربته في متناول الباحثين والطلاب والأجيال الجديدة.
فالأوطان لا تحفظها الخرائط وحدها.
تحفظها أيضاً الكتب.
والأسماء التي لا نكتبها ثانيةً تموت مرتين.
أما محمود موعد، الذي خرج من صفورية طفلاً، وحمل فلسطين معه إلى دمشق والقاهرة وباريس، ثم عاد بها إلى الأدب العربي، فإنه يستحق أن يبقى اسمه في سجل الذاكرة الثقافية لا بوصفه ماضياً، بل بوصفه موعداً مؤجلاً دائماً مع القراءة.
سبعة وعشرون عاماً مضت،
لكن محمود موعد لا يخون مواعيد اللقاء.
كلما فتحنا كتاباً له، حضر.
كلما تذكرنا فلسطين، حضر.
كلما دافعنا عن الثقافة بوصفها فعلاً أخلاقياً، حضر.
وكلما قلنا إن الإنسان يمكن أن يختلف دون أن يكره، وأن يحب وطنه دون أن يكره العالم، وأن يقرأ الآخر دون أن يفقد ذاته، حضر.
ذلك هو الخلود الحقيقي للكاتب:
أن يتحول غيابه إلى حضور،
وأن يتحول اسمه إلى سؤال،
وأن تتحول كتبه إلى ذاكرة،
وأن يبقى موعده مفتوحاً مع الأجيال.