بقلم / غدير حميدان الزبون – فلسطين
من قلب فلسطين الأبية الأرض التي علّمت العالم كيف يُنتزع الأمل من أحشاء الفاجعة، وكيف يُزهر الصخر إنْ تعهده الوفاء تنطلق هذه الملحمة الكلامية عابرةً الحدود والمحيطات، لتستقر في أحضان الجزائر الشقيقة بلد المليون ونصف المليون شهيد، ورمز النضال الذي لم ينحنِ يوماً لعواصف الدهر.
من سويداء فلسطين الأرض التي تعرف كيف ينبت الأمل من شقوق الصخر، ويفوح الشذى من بين أنقاض الحريق تنطلق هذه الكلمات عابرة المحيطات والحدود، لتهدئ من لظى الفاجعة وتبلسم جراح جزائر الكرامة والشهداء
إنّ الحديث عن الجزائر من فلسطين ليس حديثاً بين بلدين تفصلهما جغرافية المتوسط، فهو حوار الروح مع الروح، ونبض الجرح الذي يعرف كيف يضمد الجرح المقابل.
عندما اندلعت الحرائق في ربا الجزائر الخضراء، والتهمت ألسنة النار أحراج جرجرة وتلال بجاية وتيزي وزو، وأطلت الفاجعة بوجهها الكالح لترتفع أرواح زكية إلى بارئها ويستقر اللظى في أجساد الأبرياء، لم تكن تلك النيران تحرق الأشجار والمنازل على أرض الجزائر فحسب؛ إنما كانت تكوي أفئدة الفلسطينيين في القدس وغزة وبيت لحم وجنين ورام الله والخليل ونابلس وكل المدائن الفلسطينينية، وفي كلّ مخيم من مخيمات الشتات عبر العالم، فالجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.
لقد علمنا التاريخ أنّ العلاقات بين الشعوب قد تبنيها المصالح وتذروها الرياح، إلا الرابطة التي تجمع الشعبين الفلسطيني والجزائري، فهي رابطةٌ تعمّدت بالدم والإيمان المطلق بأنّ الحرية قدر الأحرار، وأنّ الكرامة لا تُجزأ. وعندما كانت الجزائر تخوض ملحمة تحريرها المجيدة كانت فلسطين ترقب كلّ شبر يُحرر كأنه أرضها، وحين سار الفلسطينيون في طريق آلامهم الطويل كانت الجزائر هي الحضن والدفء والسند الأدبي والمادي الذي لم يتوانى يوماً أو يساوم، لذلك فإنّ أي مصاب يحلّ ببلاد الجزائر هو زلزال يضرب الوجدان الفلسطيني.
إنّ منظر الشجر وهو يحترق في جبال الأوراس وجرجرة يُعيد إلى الذهن صور زيتون فلسطين وهو يُجتث و يُحرق، ليتأكد للجميع أنّ الهم واحد، والألم واحد، والقدر المشترك هو الذي يجعلنا نتقاسم الرغيف والدمعة والدعاء.
فإلى أرواح أولئك الأبطال الذين قضوا في مواجهة السعير — من أفراد الجيش الوطني الشعبي الباسل الذين ضربوا أروع أمثلة الفداء، ومن المدنيين العزل الذين طالهم اللهب وهم يذودون عن ديارهم وأرضهم نبعث بفيض رحماتنا وعميق تعازينا.
إنّ الشهادة في سبيل حماية الأرض والإنسان ليست غريبة على أبناء الجزائر، فقد خُطت جغرافية هذا البلد العظيم بدماء الشهداء عبر التاريخ، فهؤلاء الذين ارتقوا في أتون الحرائق كانوا حراس الأرض، وشهداء الواجب، وأيقونات للتضحية.
نسأل الله العلي القدير أنْ يتغمدهم بواسع رحمته، وأنْ يتقبلهم في أعلى عليين مع النبيين والصديقين والصالحين، وأنْ ينزل السكينة والصبر والسلوان على قلوب أسرهم الصابرة، وعلى الشعب الجزائري الذي يعرف كيف يحول الأحزان إلى وقود للصمود.
ولأولئك الذين يصارعون الألم في مستشفيات الجزائر، والذين حملت أجسادهم أوسمة النيران ولفح السعير وهم يحاولون إنقاذ شجرة أو إسعاف جار أو إطفاء جذوة نبعث بأصدق الأمنيات بالشفاء العاجل والتمام.
إنّ الجراح التي تأكل الأجساد ستبرأ، والآلام التي تستقر في القلوب ستزول مع خروج أول شتلة خضراء من بين الرماد. ودعوات أمّهات فلسطين، وصوات المصلين في المسجد الأقصى المبارك، وترتيلات العابدين في كنيسة القيامة، تتصاعد جميعها نحو السماء، تتضرع إلى القدير أنْ يكسو أجساد المصابين بثوب الصحة والعافية، وأنْ يعيدهم إلى أسرهم وذويهم سالمين، لتكتمل بهم فرحة العودة وبناء ما هدمته الأيام.
إن الشجر قد يحترق، والحقول قد تتشح بالسواد لبرهة من الزمن، لكنّ معدن الشعب الجزائري الصلب لا يُقهر ولا يلين.
فالأرض التي سقيت بدماء الشهداء عبر عقود طويلة من النضال تتملك جذورها قوة أزلية تسري في باطن التربة، قوة قادرة على دحر الجفاف والنار، وإعادة إحياء الحياة من قلب المحال.
نحن على يقين مطلق بأنّ الجزائر بروح تلاحم أبنائها، وبسالة جنودها، ونخوة مواطنيها، ووعي قيادتها ستتجاوز هذه المحنة كما تجاوزت غيرها من أزمات التاريخ.
إنّ هذه السحابة العابرة، وإنْ أحرقت الأشجار وأدمت القلوب لن تنال من صلابة الجزائر ولا من روح التضامن التي تجري في دماء شعبها الأبي.
ستظل الجزائر كما عرفناها دوماً قلاعاً شامخة للشهامة، ورمزاً للتآخي والتلاحم في أحلك الظروف.
وستبقى فلسطين خافقة بالدعاء، تمدّ يديها بالحب، واثقةً أنّ أرض الجزائر الطيبة ستزهر من جديد، وأنّ غاباتها ستكتسي بوشاحها الأخضر، ليظلّ علمها يرفرف عالياً بالسؤدد والخير والسلام.
ستعود تلك الجبال الشامخة تتزين برداء الصنوبر والزيتون، وستعود الأودية تعزف ألحان الحياة، وستبقى الجزائر القلعة العصية على الانكسار، والمنارة التي يستضيء بها كل أحبة الحرية والسلام في هذا العالم.
فيا أهلنا في الجزائر الحبيبة، يا شعب النخوة والشهامة،
اعلموا أنكم لستم وحدكم في هذه المأساة.
إنْ كان اللهب قد أحرق أجزاءً من غاباتكم، فإنّ محبة الفلسطينيين ودعواتهم تظلل كلّ شبر من أرضكم.
إننا نرسل لكم من بيت المقدس وأكناف بيت المقدس سلاماً يعبق برائحة الزعتر والزيتون، سلاماً يحمل ثبات المرابطين، ليقول لكم: “إنّ جرحكم جرحنا، وإنّ أملكم أملنا، وإننا معاً على عهد الأخوة والمحبة إلى أنْ يجمعنا النصر والخير في كلّ ميادين الحياة”.
حمى الله الجزائر، أرضاً وشعباً وسماءً، ورفع عنها وعن أمتنا كلّ بلاء، ودام بهاؤها وسؤددها قلاعاً للخير والكرامة.