جاري التحميل...

خروج لبنان الصعب من ورطة مزدوجة

رفيق خوري

لا أحد يعرف إلى متى تستمر نافذة الفرصة المفتوحة أميركيًا أمام لبنان، وسط تصاعد الخطر عليه من حيث كان تخفيفه في التصور. لكن الكل يعرف لماذا يصرّ “حزب الله” على ربط لبنان بإيران في إطار الحرب والسعي للتفاهم مع أميركا. فهذا الربط ليس مجرد رهان على قوة إقليمية في المواجهة مع إسرائيل، بمقدار ما هو تعبير عن الارتباط بالمشروع الإقليمي الإيراني والاصطفاف إلى جانب الحشد الشعبي والحوثيين والآخرين في القيام بالأدوار التي تتطلبها استراتيجية الأمن القومي لإيران، فضلا عن دفع الوطن الصغير إلى فك الارتباط بالعرب والغرب.

من أجل هذا كان تأسيس “الحزب” وبقية الأذرع الإيرانية في العمل للحرب الدائمة والثورة الدائمة في غرب آسيا وأبعد. حرب “ولاية الفقيه” التي هي أوسع من حروب إسرائيل التي لا بقاء لها من دون حرب مستمرة. والثورة الدائمة في العالم التي دفع تروتسكي موقعه الحزبي والسياسي ثم حياته ثمنًا للإصرار عليها، وقد تخلى عنها ستالين وخلفاؤه وماو تسي تونغ وخلفاؤه. لكن الرئيس دونالد ترامب تبنى شعار السلام المستدام واندفع في واقع الحرب الدائمة. والرئيس الروسي فلاديمير بوتين أراد الثأر لروسيا القيصرية والاتحاد السوفياتي بالعمل لاستراتيجية الحرب الدائمة في أفريقيا وجورجيا وشبه جزيرة القرم وكل أوكرانيا، والبقية أحلام أو أوهام على الطريق إلى أوروبا الأطلسية، ولا سيما الدول التي كانت في المعسكر الاشتراكي.

ذلك أن لبنان واقع، على الرغم منه، في ورطة مزدوجة: واحدة عنوانها سلاح “المقاومة الإسلامية”، وأخرى عنوانها المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية أميركا. وجود السلاح في حد ذاته هيمن على السلطة وساهم في إغلاق الطريق على مشروع الدولة، وأعطى إسرائيل المبرر للمبالغة في تصوير الخطر عليها من الشمال، واستخدامه أدى إلى عودة الاحتلال. والمفاوضات المباشرة في حد ذاتها دفعت “الثنائي الشيعي” إلى إعلان الحرب عليها ودعوة الدولة إلى وقفها فورًا. أما في مسارها، فإنها متعثرة أو جامدة لأسباب إسرائيلية متعددة، بينها مشروع السلاح. وأما حرب الممانعة عليها، فإن السبب ليس المراوحة في المكان، والتي تقلق وتزعج الدولة، بل الخوف من حدوث اختراق فيها يقود إلى النجاح الذي يعني نهاية السلاح.

وليس خارج المألوف تركيز فريق الممانعة على جانب من الصورة وتغطية الجانب الآخر. فالجانب الذي يستمر تسليط الأضواء عليه هو التعنت الإسرائيلي في مسألة الانسحاب ورفض المطالبة اللبنانية بوقف الاعتداءات وتجريف القرى، وبالتالي أن التفاوض عملية فاشلة ولن تقود إلى انسحاب وإعادة إعمار وعودة النازحين. لكن الجانب الآخر الواضح، والذي تتجاهله الممانعة، أن البديل من التفاوض، الذي هو استخدام السلاح، مكشوف أمام تجارب حرب إسناد غزة وحرب إسناد إيران. وإذا لم تكن المفاوضات ضمانًا للانسحاب، فإن سلاح “المقاومة الإسلامية” هو ضمان، لا لتحرير الأرض بل لاتساع مساحة الاحتلال، وبالتالي لاستمرار السلاح والاحتلال معًا، بحيث يبرر ويخدم كل منهما الآخر.

وفي قصة علي الطاهر لغز ودرس. اللغز هو ما جرى في الكواليس قبل ما حدث على الأرض من دخول الجيش الإسرائيلي السريع إلى أنفاق التلة، بعد أسابيع من كلام “حزب الله” على الأهمية الاستراتيجية لها والتهديد الإيراني بالقصف المباشر إذا تجرأ العدو على محاولة دخول الأنفاق. والدرس هو أن “الحزب” سلّم باستيلاء إسرائيل على علي الطاهر بعد الإصرار على رفض تسليمها للجيش اللبناني، كما لو أنه في أرض “إيرانية” لا لبنانية.

و”السياسة الجيدة ليست ضمانًا أكيدًا للنجاح، لكن السياسة السيئة ضمان مؤكد للفشل”، كما قال الرئيس أيزنهاور.

نقلاً عن “نداء الوطن”