السياسي – يؤكد المؤرخ والمفكر الإسرائيلي البارز يوفال نوح هراري، أن إسرائيل فشلت في ترجمة مكاسبها العسكرية في حرب ما زالت جبهاتها مفتوحة إلى منجزات دبلوماسية، مؤكدا أنها تعيش أخطر أزمة عليها منذ قامت عام 1948.
وفي مقال موسع بملحق صحيفة “يديعوت أحرونوت” نشر اليوم الجمعة، يؤكد هراري أن الكثير من الإسرائيليين أسود ولبؤات تقودهم ثلة من الحمير، في إشارة لنتنياهو وحكومته.
ويقول المؤرخ الإسرائيلي إن سنوات حكومة نتنياهو الحالية كانت الأصعب في مسيرة إسرائيل منذ قيامها، منوها إلى أنها ليست بالضرورة متهمة وحيدة، ففي كثير من الأحيان، على الحكومات مواجهة كوارث طبيعية وأزمات اقتصادية وحروب دموية وصلت إلى عتبة بيتها ولم تشنها بنفسها. كما يقول إن رئيس الحكومة ليس مسؤولا عن كل قرار خاطئ يرتكبه قائد عسكري ومدير عام وزارة.
ومع ذلك، يرى هراري أن حكومة الاحتلال الحالية برئاسة نتنياهو مسؤولة عن شيء واحد مؤكد: تحديد سلم أولويات الدولة، فهذه وظيفتها الأهم، فالرأس يقرر والمؤسسات تنفذ.
ويمضي في توصيف حكومة الاحتلال: “في الشهرين السابقين للسابع من أكتوبر 2023، أملى نتنياهو على إسرائيل سلم أولويات مدمرا. كان بحاجة لتحديد القضايا الأهم للتركيز فيها: غلاء المعيشة، وأزمة السكن، والتهديد الإيراني، وحزب الله وحماس. لكن نتنياهو قرر التركيز على الجهاز القضائي وكأن رئيسة المحكمة العليا السابقة إستير حيوت وزملاءها كانوا التهديد الأكبر على إسرائيل.
وخلال ستة أيام بعد انطلاق هذه الحكومة في 04.01.2023، كشف وزير القضاء خطة مركزية لحكومة نتنياهو السادسة: “خصي” المحكمة العليا وإضعاف النظام القضائي وتغيير طريقة النظام الحاكم. القرار بمحاربة النظام القضائي بدلا من مواجهة حزب الله وحماس أو إيران كان يستبطن كارثة وهي كلها مسجلة على اسم نتنياهو”.
خطر واضح وفوري
ويقول هراري، الذي غادر إسرائيل ويقيم في الخارج منذ عامين، إن قادة المؤسسة الأمنية أنذروا نتنياهو خلال الشهور التسعة السابقة للسابع من أكتوبر من فرض سلم أولويات مغلوط على الدولة، وأن هذه الأولوية موجودة مقابل خطر أمني وجودي. ويمضي في وصف الإخفاق: “صحيح، لم يعرف قادة المؤسسة الأمنية التفاصيل الدقيقة لهجمة السابع من أكتوبر، لكنهم أدركوا جيدا أن إسرائيل محاطة بسوار من نار من أشد الأعداء ممن يستعدون للعمل. الموساد والشاباك والاستخبارات العسكرية (أمان) قالوا لنتنياهو مرة تلو المرة إن عليه وقف جنون الانقلاب القضائي الذي يمزق الدولة من الداخل، لصالح التفرغ للتهديدات الخارجية، لكن نتنياهو رفض الإصغاء لهم”.
ويستذكر هراري تحذير وزير الأمن يوآف غالانت العلني في آذار 2023 من التهديدات الخطيرة، ودعوته لوقف التشريعات القضائية الخلافية، وإقالته من قبل نتنياهو، مما تسبب بخروج مئات آلاف الإسرائيليين إلى الشوارع، وأجبر نتنياهو على إعادة غالانت لمنصبه، لكنه واصل تجاهل تحذيرات المؤسسة الأمنية.
لم تكن هذه المرة الوحيدة التي شد فيها رؤساء المؤسسة الأمنية طرف معطف رئيس حكومة وهم يصرخون تباعا: انتبه، أنت تقود إسرائيل للهاوية. بين آذار وتموز 2023، تلقى نتنياهو من الاستخبارات العسكرية أربع مذكرات أنذرت من احتمال اندلاع حرب، وانضم عشرات من خريجي المؤسسة الأمنية ووقّعوا عريضة علنية قالوا فيها لنتنياهو في تموز 2023: “نحن خريجو حروب إسرائيل نشعر بأجواء سادت عشية حرب 1973، ولذا نرفع شارة حمراء أمامك وأمام حكومتك”.
ويستذكر هراري أن رئيس الشاباك السابق رونين بار بعث لنتنياهو في ذات الشهر إنذارا باندلاع حرب، وكان ذلك عشية المصادقة على ما يعرف بقانون تقليص مساحة المعقولية المعتمدة لدى قضاة العليا. ويضيف: “في ذات يوم المصادقة على تقليص صلاحية قضاة المحكمة العليا، وصل الكنيست قادة الجيش الإسرائيلي وطلبوا الدخول لمكتب نتنياهو لتقديم تحذيراتهم بشكل وجاهي وشخصي، لكنه رفض استقبالهم”.
كما يستذكر أن مستشار الأمن القومي الأسبق الجنرال في الاحتياط غيورا أيلاند قد عقد عدة مقابلات مع الاستخبارات العسكرية، بادر بعدها بتحذير نتنياهو من خطر وجودي على الدولة، لكنه أهمل التحذير مجددا، منوها لتحقيق “هآرتس” حول تبليغ محمد بن زايد نتنياهو بمخطط حماس للقيام بطوفان الأقصى قبل السابع من أكتوبر بعشرة أيام، ويتابع: “لكن نتنياهو لم يكترث ولم يغير سلم الأولويات، بل لم يبلغ المؤسسة الأمنية بتحذير الإمارات”.
ويوضح هراري أن نتنياهو بين يناير وأكتوبر 2023، تجاهل كل التحذيرات، وأملى على إسرائيل سلم أولويات بموجبه التهديد الأكبر هو ليس حماس ولا حزب الله ولا إيران، إنما قضاة المحكمة العليا، مشددا على أن الجنون المستمر في تلك الأشهر قد ولد الكارثة الأكبر في تاريخ إسرائيل: مقتل ألف إسرائيلي، وخطف مئات، وإخلاء مناطق كثيرة من البلاد بسرعة، وحتى في حربي 1948 و1973 تم إخلاء عدد أقل من المستوطنات مقارنة مع حرب 2023.
بعد السابع من أكتوبر هُجرت مدن بكاملها مثل كريات شمونة في الجليل وسديروت في النقب وعدد كبير من المستوطنات في النقب الغربي والجليل الأعلى، وتحول ربع مليون إسرائيلي إلى لاجئين في بلادهم. المتهم الأساسي في كل ذلك هو نتنياهو الذي حدد سلم أولويات معوجا وأغلق أذنيه طيلة شهور متجاهلا كل التحذيرات.
النصر المطلق.. تجارب هانيبال ونابليون
على خلفية كل ذلك، يؤكد هراري أن تحديد سلم أولويات مختل قبيل السابع من أكتوبر، انطوى على الإخفاق الكبير الأول. أما الثاني فلا يقل خطورة، وهو إدارة الحرب حتى الآن والفشل في تحقيق مكاسب سياسية رغم المنجزات العسكرية، فواجب الجيش هو القتال وواجب الحكومة ترجمة نجاحاته لمكاسب سياسية، فالذي ينتصر بالحرب ليس من يقتل أكبر عدد من جنود العدو ويهدم أكثر عدد من بناياته أو من يحتل أكبر مساحات من الأرض، بل من يصل لمنجزات سياسية دائمة.
ويضيف: “بدون هذه المكاسب السياسية، يمكن الانتصار في معركة تلو معركة وأن تخسر الحرب. وهذا ما حصل على سبيل المثال لهانيبال ونابليون”.
ويستذكر مكاسب المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في الحرب: عملية أجهزة البيجر في 17 أيلول 2024، واغتيال قيادة حزب الله ضمن عملية “نظام جديد”، والضربة الكاسحة التي أنزلت على إيران في عملية “شعب كالأسد”. تدلل هذه النجاحات على أن الجمهور الإسرائيلي مليء باللبؤات والأسود ممن يفعلون جل ما يستطيعون دفاعا عن الدولة، ومعهم جيش وخدمات استخباراتية من الأفضل في العالم. لسوء الحظ لا يمكن قول ذلك على حكومتنا”.
ويقول إنه بعد ثلاث سنوات، فشلت حكومة نتنياهو في ترجمة مكاسب عسكرية لمنجزات دبلوماسية في كل الجبهات من إيران إلى لبنان، ويتابع ساخرا: “لكنني نسيت مكسبا واحدا، هو اعتراف صوماليلاند بإسرائيل. في الأثناء، حماس ما زالت باقية في غزة، وحزب الله في لبنان، وتركيا تتقدم في سوريا، وإيران تحافظ على قدراتها النووية وتسيطر على مضيق هرمز، فيما تكابد إسرائيل عزلة دولية تتفاقم، وهي عزلة ليست حتمية أو وليدة اللاسامية، بل صنعت بأيدي إسرائيل، بعدما كانت تحظى بشعبية واسعة في العالم، وهذا يذكر بعدد الزعماء الكبير ممن زاروا إسرائيل غداة السابع من أكتوبر للتضامن معها”.
ويضيف: “حكومة نتنياهو نجحت بجعل العالم يشمئز منا، حتى أقرب الدول الصديقة لنا. وبسبب سياسات الحكومة، خسرنا الصداقة بين الحزبين المتنافسين في الولايات المتحدة. ليس مهما من سيفوز في الانتخابات الأمريكية القادمة، ستواجه إسرائيل مشكلة كبيرة، فكثير من الديموقراطيين يرون بها عنصرية وإجرامية، فيما يتبنى عدد متزايد من الجمهوريين نظرية المؤامرة اللاسامية التي تتهم إسرائيل باستدراج الولايات المتحدة لحرب زائدة في إيران”.
ودون الإشارة إلى حرب الإبادة والجرائم الإسرائيلية ضد البشرية، يخلص هراري للقول: “منذ 2023، يحارب الإسرائيليون كاللبؤات والأسود، لكن هذه الأسود تقودها حمير. حكومة نتنياهو أنزلت على إسرائيل الكارثة الأكبر في تاريخها وتقودها للضياع. الوضع خطير جدا”.
ويضيف مكتفيا بانتقاد الإجرام الإسرائيلي في الحرب بتلميح خفيف وخفي في كلماته الأخيرة: “لكن لا زال الباب مفتوحا للإصلاح. في 27 أكتوبر القادم هناك فرصة للأسود، فرصة للتخلص من الحمير. وجدير أن نستغل هذه الفرصة، فهي ربما تكون الأخيرة. ربما نفوز أخيرا بالقليل من الهدوء ويكون بمقدور الأسود العودة لأن يكونوا بشرا”.