جاري التحميل...

اللغة في الجزائر: من معركة التحرر إلى بناء الهوية الوطنية

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ليست اللغة في الجزائر مجرد وسيلة للتخاطب أو أداة لنقل المعرفة؛ إنها واحدة من أكثر القضايا التصاقاً بتاريخ البلاد وذاكرتها الوطنية. فمنذ الاحتلال الفرنسي سنة ١٨٣٠، أدرك الاستعمار أن السيطرة على الأرض لا تكتمل بالاحتلال العسكري وحده، وأن إخضاع الإنسان يبدأ أيضاً من إعادة تشكيل وعيه، وضرب مقومات لغته وثقافته وذاكرته.

ومن هنا اكتسبت اللغة العربية مكانة تتجاوز بعدها اللغوي لتصبح جزءاً من معركة الوجود. فقد كانت العربية مرتبطة بالقرآن والتعليم الديني والكتاتيب والزوايا والذاكرة الثقافية، ولذلك فإن محاصرتها لم تكن مجرد سياسة لغوية، بل كانت جزءاً من مشروع استعماري أوسع يستهدف تفكيك الشخصية الجزائرية وإعادة صياغتها وفق النموذج الفرنسي.

ولهذا جاءت عملية التعريب بعد الاستقلال بوصفها إحدى أهم وسائل التحرر من الإرث الاستعماري؛ إذ لم تكن تعريباً للمدرسة والإدارة فحسب، وإنما محاولة لاستعادة الجزائر حقها في أن تتعلم وتفكر وتنتج المعرفة بلغتها الوطنية.

التعريب: استعادة الصوت بعد الاستعمار

حين استقلت الجزائر سنة ١٩٦٢، لم تكن قد استعادت الأرض فقط، وإنما ورثت أيضاً منظومة تعليم وإدارة وثقافة تشكلت في ظل أكثر من قرن من الاستعمار الفرنسي.
ومن هنا أصبحت عملية التعريب جزءاً من مشروع بناء الدولة الوطنية.
كان الهدف الأساسي أن تنتقل العربية من موقع اللغة التي حافظ عليها المجتمع في المساجد والزوايا والكتاتيب والبيوت إلى لغة حاضرة في المدرسة والإدارة والإعلام والثقافة والتعليم العالي.

ولهذا يمكن النظر إلى التعريب باعتباره فعلاً من أفعال التحرر الثقافي؛ فالاستقلال السياسي الذي لا يصاحبه استقلال في الوعي والمعرفة يظل ناقصاً.
لم تكن المسألة أن الجزائر تريد أن تكره الفرنسية، وإنما كانت تريد أن تتخلص من الوضع الذي يجعل لغة المستعمر شرطاً للترقي والتعليم والوظيفة والمعرفة.
فالاستعمار يستطيع أن يرحل بجنوده، لكنه قد يترك وراءه لغته ومناهجه ومؤسساته وطرائق تفكيره.
ومن هنا كان التعريب محاولة لاستكمال الاستقلال.
لقد أرادت الجزائر أن تقول، بصورة واضحة:
كما استعدنا أرضنا، نريد أن نستعيد لغتنا؛ وكما تحررنا من سلطة المستعمر السياسية، نريد أن نتحرر من هيمنته الثقافية.

محو الأمية وبناء الإنسان الجديد

كان محو الأمية أحد التحديات الكبرى التي واجهت الجزائر بعد الاستقلال. ولم تكن المعركة سهلة، لأن الاستعمار خلّف مجتمعاً يعاني من تفاوت كبير في فرص التعليم، فكان بناء المدرسة الوطنية ضرورة لا تقل أهمية عن بناء المؤسسات السياسية والاقتصادية.
ومن هنا ارتبطت عملية محو الأمية بالتعريب في جانب مهم من جوانبها؛ إذ لم يكن المقصود تعليم الجزائري القراءة والكتابة فحسب، وإنما إعادة إدخاله إلى فضاء المعرفة بلغته الوطنية.

فالإنسان الذي يتعلم القراءة بلغته لا يتعلم الحروف وحدها، بل يستعيد شيئاً من علاقته بذاكرته وثقافته ومحيطه.
وهكذا أصبحت المدرسة بعد الاستقلال واحدة من أهم ساحات استعادة الهوية.
أين تنتشر العربية والفرنسية؟

لا يمكن رسم خريطة لغوية للجزائر بخطوط حادة تفصل بين «مناطق عربية» و«مناطق فرنسية»، لأن الواقع الاجتماعي أكثر تعقيداً.
العربية، بلهجاتها الجزائرية وبصورتها الفصحى، هي اللغة الأوسع حضوراً في البلاد، بينما بقيت الفرنسية حاضرة بدرجات مختلفة، خصوصاً في بعض المجالات العلمية والاقتصادية والإدارية والطبية وفي بعض الأوساط الحضرية.

وفي المدن الكبرى، مثل الجزائر العاصمة ووهران وقسنطينة وعنابة، تتجاور اللغات داخل الحياة اليومية؛ فقد يتحدث الجزائري بالعربية الدارجة في البيت والشارع، ويستخدم العربية الفصحى في المدرسة والإعلام الرسمي، وينتقل إلى الفرنسية في بعض مجالات العمل أو التعليم أو التواصل المهني.
وهذا التداخل ليس دليلاً بالضرورة على ضعف العربية، كما أنه لا يعني اختفاء الفرنسية. إنه نتيجة تاريخ طويل من الاحتكاك اللغوي والثقافي.

غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول لغة المستعمر السابقة إلى مقياس للوجاهة أو التفوق الثقافي، أو عندما يُنظر إلى العربية بوصفها لغة أقل قدرة على إنتاج المعرفة الحديثة.
وهنا تحديداً ينبغي أن يكون التعريب مشروعاً معرفياً لا مجرد شعار سياسي.

الأمازيغية: مكوّن أصيل من الجزائر

وفي مقابل الثنائية الشائعة بين العربية والفرنسية، هناك حقيقة أخرى ينبغي ألا تغيب عن النقاش: الأمازيغية جزء أصيل من الشخصية الجزائرية.

فالجزائر ليست فضاءً لغوياً أحادياً، بل تضم تنوعاً أمازيغياً عريقاً، من القبائلية في منطقة القبائل إلى الشاوية في الأوراس، فضلاً عن تنويعات أمازيغية أخرى في مناطق مختلفة، ومنها التارقية في الجنوب.

وفي مناطق مثل تيزي وزو وبجاية، تحضر القبائلية بقوة في الحياة الثقافية والاجتماعية، بينما تحضر الشاوية في أجزاء واسعة من الأوراس، ولا سيما في محيط باتنة وخنشلة ومناطق مجاورة.
وهذا التنوع لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر انقسام.

فالعربية والأمازيغية ليستا خصمين بالضرورة، بل هما مكوّنان من مكونات الذاكرة الجزائرية، لكل منهما جذوره ومساحته التاريخية والثقافية.
الأمازيغ ودورهم في مقاومة الاستعمار والثورة

ومن الخطأ التاريخي النظر إلى الأمازيغ بوصفهم جماعة منفصلة عن حركة التحرر الجزائرية.
لقد شارك أبناء المناطق الأمازيغية في مقاومة الاحتلال منذ بداياته، وبرزت شخصيات أصبحت رموزاً للمقاومة الوطنية، وفي مقدمتها لالة فاطمة نسومر، التي ارتبط اسمها بمقاومة التوسع الفرنسي في منطقة القبائل.

كما برزت ثورة المقراني والشيخ الحداد سنة ١٨٧١، التي تعد من أكبر الانتفاضات ضد الاستعمار الفرنسي في القرن التاسع عشر.

وفي الثورة التحريرية الكبرى، كان لعدد من أبناء منطقة القبائل دور بارز في القيادة والتنظيم، ومن بينهم كريم بلقاسم، وعبان رمضان، والعقيد عميروش وغيرهم.

كما اكتسب مؤتمر الصومام سنة ١٩٥٦ مكانة مركزية في تاريخ الثورة الجزائرية، لما نتج عنه من إعادة تنظيم الهياكل السياسية والعسكرية للثورة.
لكن الإنصاف يقتضي التأكيد على أن الثورة الجزائرية لم تكن ثورة جماعة واحدة، وإنما كانت ثورة وطنية شارك فيها الجزائريون بمختلف انتماءاتهم ومناطقهم.
وهذه إحدى أهم عظمتها.

الفرنسية: لغة استعمارية أم لغة معرفة؟

ينبغي هنا أن نكون أكثر دقة.
فالفرنسية كانت لغة الاستعمار، ولا يمكن فصل انتشارها الواسع في الجزائر عن التاريخ الاستعماري. لكن هذا لا يعني أن اللغة نفسها تتحمل مسؤولية الاستعمار، ولا أن تعلمها أو استخدامها يتعارض بالضرورة مع الوطنية.
المشكلة ليست في أن يعرف الجزائري الفرنسية.
المشكلة أن يحتاج الجزائري إلى الفرنسية كي يُثبت أنه متعلم.
وهنا يظهر جوهر المشروع اللغوي الوطني: أن تكون العربية قادرة على حمل العلم والفلسفة والطب والهندسة والاقتصاد والتكنولوجيا، لا أن تبقى محصورة في الأدب والخطابة والشعارات.
إن اللغة لا تصبح قوية بكثرة الحديث عن قوتها، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة.

التعريب والتحرر الثقافي

من هذا المنظور، كان التعريب في الجزائر خطوة ضرورية لاستكمال الاستقلال.
فالاستعمار لم يحتل الجغرافيا وحدها؛ لقد حاول أيضاً أن يعيد ترتيب علاقة الإنسان الجزائري بتاريخه ولغته وذاته.
لذلك فإن استعادة العربية إلى المدرسة والإدارة والثقافة كانت تحمل معنى سياسياً وحضارياً عميقاً:

أن يصبح الجزائري قادراً على أن يتعلم بلغته، وأن يفكر بلغته، وأن يكتب تاريخه بلغته، وأن ينتج المعرفة بلغته.
لكن التعريب لا ينبغي أن يتحول إلى عزلة.
فالتحرر لا يعني أن نغلق النوافذ أمام العالم، وإنما يعني أن نفتحها من موقع الندية لا التبعية.
نحتاج إلى العربية، ونحتاج إلى الأمازيغية، ونحتاج إلى اللغات الأجنبية، ومنها الفرنسية والإنجليزية وغيرها، لكن ترتيب هذه اللغات ووظائفها يجب أن ينبع من حاجات المجتمع الجزائري ومصلحته، لا من بقايا علاقة استعمارية قديمة.
موقفي:

أرى أن التعريب كان، ولا يزال، أحد أهم أوجه التحرر الوطني والثقافي في الجزائر؛ لأنه استهدف استعادة اللغة إلى موقعها الطبيعي في بناء الدولة والإنسان.
لكن التعريب الناجح ليس إقصاءً للآخر، كما أن الدفاع عن الأمازيغية ليس انفصالاً عن العروبة، وتعلم الفرنسية أو الإنجليزية ليس خيانة للهوية.
الهوية الجزائرية أوسع من أن تختزل في لغة واحدة، وأعمق من أن تُختزل في عرق أو منطقة.

إن الجزائر التي قاومت الاستعمار بالسلاح تستطيع أن تواجه تبعاته الثقافية بالمعرفة.
والرهان الحقيقي اليوم ليس أن نسأل:
هل الجزائر عربية أم أمازيغية؟
هل ينبغي أن تتحدث العربية أم الفرنسية؟
بل أن نسأل:
هل تستطيع الجزائر أن تنتج العلم بلغاتها، وتحفظ ذاكرتها بتنوعها، وتتعلم لغات العالم دون أن تفقد لغتها، وتفتح أبوابها للحداثة دون أن تفتح أبوابها للتبعية؟
إذا استطاعت أن تفعل ذلك، فإن التعريب يكون قد تجاوز وظيفته التاريخية بوصفه أداة للتحرر من الاستعمار، ليصبح مشروعاً لبناء السيادة الثقافية والمعرفية.

فالاستقلال الحقيقي لا يكتمل حين يخرج الجندي الأجنبي من الأرض فحسب؛
بل يكتمل حين يستطيع الإنسان أن ينظر إلى العالم من خلال عينيه، وأن يسمّي الأشياء بلغته، وأن ينتج المعرفة دون أن يستعير صوته من أحد.
وهنا تبدأ الحرية الحقيقية: حين تستعيد الأمة صوتها، ثم تستخدم هذا الصوت لا للانغلاق، بل لصناعة المستقبل.