جاري التحميل...

الحرية من عبودية الرضا: في فلسفة الحزم الإنساني وتحرر الذات من وهم القبول:

بقلم: عماد خالد رحمةـ برلين.

في الوقت المتأخر من الحياة، حين تتراكم التجارب وتخفت الأصوات الخارجية فينا، ندرك أن أكثر الأثقال التي حملناها لم تكن أحجارَ المصير، بل وجوهَ الآخرين في داخلنا. تلك الوجوه التي سعينا إلى إرضائها، حتى غدونا غرباء عن ذواتنا. هناك، في هذا الأوان المتأخر، تتجلّى الحكمة الكبرى: أن راحة الإنسان تبدأ عندما يتوقف عن محاولة إرضاء الجميع.
غير أن هذا الاكتشاف البسيط ظاهريًّا عسيرٌ على التطبيق، لأن الإنسان كائن اجتماعي كما يرى أرسطو، ووجوده يتأسس على الاعتراف المتبادل، كما أكّد هيغل في فينومينولوجيا الروح. فالذات لا تُدرك نفسها إلا عبر الآخر، ولا تتثبت إلا من خلال نظراته وقبوله. ولكن المأساة تبدأ حين يتحوّل هذا الآخر من مرآةٍ للذات إلى قيدٍ عليها، وحين يصير رضاه معيارًا لوجودنا.

لقد كتب إيمانويل كانط في حديثه عن الكرامة الإنسانية أن “الإنسان غاية في ذاته لا وسيلة لغيره”، ومع ذلك، نعيش غالبًا كوسائل لإرضاء الآخرين، نغترب عن جوهرنا الأخلاقي والعقلي. هنا تتسلّل الحاجة إلى الحزم — ذلك الحزم الذي لا يعني القسوة، بل الشجاعة في قول “لا” حين تكون “نعم” خيانة للذات. فكما قال نيتشه: “من لا يستطيع أن يقول لا لنفسه، لن يكون حرًّا أبدًا.”
إن الحزم الأخلاقي الذي نكتشفه في أواخر العمر، هو ما سماه سقراط “العناية بالنفس”؛ أي أن نكون مسؤولين عن سعادتنا لا رهائنَ لنظرات الآخرين. إنه شكل من أشكال التحرر الداخلي الذي لا يتحقق إلا عبر الشجاعة، لا العدوان، وعبر الصمت الناضج، لا الانسحاب السلبي.
الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر ذهب إلى أن “الآخر هو الجحيم”، ليس بمعنى الكراهية، بل لأن وجوده المتواصل يضعنا في موضع التقييم والرقابة، ويجعلنا نعيش تحت سطوة نظراته. وهنا تنشأ العبودية الناعمة: أن نُحاكم أنفسنا كما يريدون، أن نتزيّن كما يرغبون، أن نحيا كما يتوقعون.
وفي المقابل، يرى إريك فروم في كتابه الهروب من الحرية أن الإنسان المعاصر يفرّ من حريته الذاتية إلى أمان الجماعة، لأنه يخاف أن يكون مختلفًا. فالرغبة في القبول ليست سوى خوفٍ من العزلة، والخوف من العزلة ليس سوى نقصٍ في اكتمال الذات.
أما في الفكر العربي، فقد لامس ابن خلدون هذا المعنى حين تحدّث عن “الطبع في التبعية” وميول الإنسان إلى الانقياد. ورأى أبو حيان التوحيدي أن الإنسان كثيرًا ما “يؤثر الألفة على الصدق”، فيختار رضا الجماعة على صدق الذات. بينما نادى عبد الرحمن بدوي في كتابه الزمان الوجودي إلى استرداد الذات عبر الوعي الوجودي الحرّ، إذ لا حرية بلا عزلة ولا صدق بلا استقلال.
إن الحزم في رفض إرضاء الآخرين ليس عداءً للآخر، بل تحريرٌ للعلاقة معه من الاستلاب. حين نحترم ذواتنا، نصبح أكثر قدرة على احترام غيرنا. فكما قال سبينوزا: “الحرية ليست نفيًا للحب، بل تهذيبه.”
يحتاج هذا الموقف إلى شجاعة استثنائية، لأن “المسالمين لا يحبون إغضاب الناس”، كما جاء في النص الملهم. غير أن الغضب الصادق أحيانًا هو أصدق أشكال الحب للذات. إذ من دون حدودٍ واضحة، يتحوّل التعاطف إلى نزيف، والمحبّة إلى فناءٍ في الآخر. وكم من الأرواح استنزفتها رغبةٌ أبدية في أن تكون محبوبة، ولم تدرك أن الحب الحقيقي يبدأ حين لا تكون مضطرًّا لتبرير وجودك.

في النهاية، يُمكن القول إن التحرر من عبودية الرضا ليس انسحابًا من العالم، بل عودةٌ إلى مركز الذات. هناك فقط تُدرك أن الهدوء ليس غياب الضجيج، بل انتصار الإرادة على الخوف. وأن الحرية ليست هبة من الخارج، بل قرارٌ داخليٌّ بأن تكون أنت، حتى وإن لم يُصفّق أحد.