بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.
لطالما شكّل الفصل بين العقل والعالم، كما بلوره رينيه ديكارت، نقطة انطلاق مركزية في تطور الفكر الغربي، ليس فقط على صعيد الفلسفة النظرية، بل امتد أثره العميق إلى العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية، ولا سيما الطب وعلم النفس. فقد أسس ديكارت لمفهوم الانسجام الصوري للعقل والموضوع، حيث انفصل العقل، باعتباره جوهرة التفكير واليقين، عن العالم الخارجي المادي، الذي يخضع لقوانين الطبيعة الصارمة. هذا الانفصال أتاح للعلم الحديث الإبحار في مراكب التجربة والملاحظة، بعيدًا عن الانحيازات الذاتية للباحث، لكنه في الوقت نفسه أرسى تصورًا صارمًا للإنسان باعتباره كائنًا يمكن ملاحظته من الخارج، بمعزل عن دواخل وعمق وعيه.
وفي هذا السياق، وجد علم النفس، عند نشأته كعلم مستقل، ضالته في المذهب التجريبي (Empiricism)، الذي يرفض كل معرفة غير متحصَّل عليها من التجربة الحسية المباشرة. وقد انعكس ذلك جليًا في السلوكية Behaviorism التي تبنت نموذجًا صارمًا في الملاحظة، افترض وجود راصد محايد وأداة رصد محايدة، متحررة من أي تفاعل مع الظاهرة المرصودة. وهكذا تم اختزال الإنسان إلى آلة، تستجيب للمثيرات الخارجية وفق نظام سببي حتمي، فصار الوعي، والعاطفة، والفعل الإنساني في نظر السلوكيين مجرد محصلة لعمليات ميكانيكية قابلة للقياس والتكرار، دون الاعتداد بالذات الداخلية أو بالقدرة على التأمل والتفكير النقدي. كما أشار ج. ب. واتسون (Watson) في تأسيس السلوكية، إلى أن “السلوك القابل للملاحظة وحده هو موضوع علم النفس الحقيقي، وما عدا ذلك مجرد مضاعفات فلسفية لا يمكن التحقق منها” (Watson, 1913).
وفي الجهة المقابلة، أثّرت الفلسفة التحليلية النفسية، بقيادة سيغموند فرويد (Sigmund Freud)، في تقليص البعد النفسي إلى كتل بنائية محددة، مثل الأنا، والأنا الأعلى، والهو، واعتبرت اضطرابات النفس في الغالب ناتجة عن اختلالات محدودة في الدوافع، وخصوصًا الدافع الجنسي. وكان المحلل النفسي، في هذا الإطار، مقيمًا في موقف يشبه موقف الراصد الفيزيائي في مختبره؛ منفصلًا عن “موضوعه”، متأملًا في سلوكياته الداخلية كما يُراقب الظواهر الطبيعية، دون إدراك مباشر لتفاعله مع تجليات وعي المحلل النفسي أو تأثيره على مجرى التحليل.
لقد أدى هذا الفصل بين العقل والموضوع إلى توظيفات واسعة، لم تكن دائمًا مجدية على مستوى فهم الإنسان ككل متكامل. فقد أنتج تصورًا محدودًا للإنسان، يقلل من فعالية الذات الداخلية، ويختزل تجربة الحياة إلى مجرد سلسلة من المتغيرات الخارجية والآليات السببية. ومن هنا بدأت الحركات النقدية في القرن العشرين، مثل الظاهراتية Phenomenology عند إدموند هوسرل (Edmund Husserl) والوجودية Existentialism عند جان بول سارتر (Jean-Paul Sartre)، بالتأكيد على ضرورة إعادة الربط بين الذات والموضوع، بين العقل والعالم، معتبرة أن التجربة الإنسانية لا يمكن فهمها بمعزل عن وعينا وإدراكنا لها، وأن أي علم نفسي حقيقي ينبغي أن يأخذ في الاعتبار الفعل الذاتي والوعي الداخلي.
إن إرث ديكارت، إذاً، مزدوج: من جهة، مكَّن من بناء العلوم الحديثة على أسس تجريبية واضحة، ومن جهة أخرى، فرض علينا سؤالًا جوهريًا عن الإنسان والوعي، عن العلاقة بين العقل والعالم، وعن حدود الانفصال بين الذات والموضوع. فالفصل بين العقل والعالم، بالرغم من قدرته على تطوير العلوم، لا يفي وحده بفهم الطبيعة الإنسانية في عمقها، ويظل مشروعًا فلسفيًا يحتاج إلى مراجعة مستمرة من منظور شامل يربط بين التجربة الداخلية والواقع الخارجي، بين الفعل والوعي، بين المعنى والملاحظة.