بقلم الدكتورة تمارا حداد
تكتسب الانتخابات النصفية الأمريكية، التي جرت يوم امس الثلاثاء 3 نوفمبر 2026، أهمية سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود التنافس الحزبي داخل الولايات المتحدة، فهي تمثل اختباراً شعبياً لأداء الرئيس دونالد ترامب وإدارته، ومؤشراً على اتجاهات الرأي العام الأمريكي تجاه السياسات الداخلية والخارجية، كما تشكل محطة مهمة في تحديد مستقبل التوازنات السياسية خلال العامين المتبقيين من ولايته الرئاسية.
وتكمن الأهمية الرئيسية لهذه الانتخابات في أنها تحدد هوية الحزب الذي سيمتلك الأغلبية داخل الكونغرس بمجلسيه، النواب والشيوخ، وبالتالي حجم القدرة المتاحة للرئيس على تمرير أجندته السياسية والاقتصادية والتشريعية. ويتكون مجلس النواب من 435 مقعداً، جميعها مطروحة للانتخاب، فيما يضم مجلس الشيوخ 100 عضو، ويُنتخب في هذه الدورة 35 عضواً، بما يشمل انتخابات خاصة. ويحتاج الحزب إلى 218 مقعداً لتحقيق الأغلبية في مجلس النواب، بينما تتحدد السيطرة على مجلس الشيوخ وفق توازن المقاعد، مع احتساب صوت نائب الرئيس عند التعادل.
وتأتي الانتخابات في ظل سيطرة الجمهوريين على المجلسين، الأمر الذي منح ترامب مساحة أوسع لتنفيذ برنامجه السياسي. لكن خسارة الجمهوريين الأغلبية في أحد المجلسين أو كليهما ستضع الإدارة أمام واقع سياسي مختلف، قد يفرض عليها الدخول في تفاهمات ومساومات مع الديمقراطيين، ويحد من قدرتها على تمرير التشريعات والإنفاق والموازنات دون معارضة.
ولا تقتصر أهمية الانتخابات على تغيير تركيبة الكونغرس، بل تمثل استفتاءً سياسياً على أداء ترامب، خصوصاً في ملفات الاقتصاد والتضخم وتكاليف المعيشة والهجرة والرعاية الصحية، إلى جانب الحروب والتوترات الدولية. كما ستحدد النتائج طبيعة المرحلة السياسية المقبلة، وستكون مؤشراً مبكراً على موازين القوى والاستعدادات للانتخابات الرئاسية لعام 2028.
أما على مستوى السياسة الخارجية، فإن انعكاسات الانتخابات ستكون مرتبطة بدرجة كبيرة بتركيبة الكونغرس الجديدة. صحيح أن الرئيس الأمريكي يمتلك صلاحيات واسعة في إدارة العلاقات الخارجية والقرارات الدبلوماسية والعسكرية، لكن الكونغرس يحتفظ بأدوات مؤثرة تتعلق بالموازنات والمساعدات العسكرية والرقابة على الإدارة والمصادقة على التعيينات، فضلاً عن عقد جلسات الاستماع والتحقيقات وممارسة الضغط التشريعي.
ومن هنا، فإن أي تحول في الأغلبية داخل الكونغرس قد ينعكس على ملفات الشرق الأوسط، لا سيما الحرب على إيران، والعلاقات مع دول الخليج، ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وملفات التسوية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وقد نشهد تصاعداً في النقاشات المتعلقة بكلفة الانخراط العسكري الأمريكي، وحدود استخدام القوة، ومدى ضرورة الحصول على تفويض تشريعي لأي مواجهة عسكرية واسعة.
وفيما يتعلق بالسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، لا ينبغي افتراض أن الانتخابات النصفية ستؤدي تلقائياً إلى تغيير جذري في توجهات واشنطن؛ لأن محددات السياسة الخارجية الأمريكية ترتبط بالمصالح الاستراتيجية والأمن القومي والطاقة والتحالفات الإقليمية وموازين القوى الدولية. لكن تغير الأغلبية في الكونغرس قد يفرض مراجعة بعض الأولويات، ويزيد من الضغوط على الإدارة بشأن إدارة الأزمات الإقليمية، خصوصاً إذا تصاعدت الخلافات بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية.
أما بالنسبة لإسرائيل، فإن السؤال الأكثر أهمية يتمثل في مدى انعكاس نتائج الانتخابات على طبيعة الدعم الأمريكي غير المشروط أو المشروط للحكومة الإسرائيلية. فمن الناحية العملية، لن تتغير العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب بمجرد تغير الأغلبية في الكونغرس، نظراً لعمق التعاون العسكري والأمني والسياسي بين الطرفين. لكن طبيعة هذا الدعم، وحدوده، وآليات الرقابة عليه قد تصبح موضع نقاش أكثر حدة.
ففي حال تمكن الديمقراطيون من السيطرة على أحد المجلسين أو كليهما، قد تتزايد المطالبات بمراجعة المساعدات العسكرية لإسرائيل، وفرض رقابة أكبر على صفقات السلاح، ومناقشة الانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية، والتوسع الاستيطاني، وضرورة حماية المدنيين الفلسطينيين. كما قد تتصاعد الضغوط المتعلقة بإعادة إعمار غزة ودعم المسار السياسي الفلسطيني وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الديمقراطيين سيتبنون موقفاً موحداً تجاه إسرائيل، إذ توجد داخل الحزب نفسه تباينات واضحة بين تيارات تقليدية تدعم التحالف الاستراتيجي مع تل أبيب، وأخرى باتت أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية، خصوصاً في ظل تداعيات الحرب على غزة والتحولات في اتجاهات قطاعات من الناخبين الأمريكيين.
في المحصلة، الانتخابات النصفية ليست مجرد منافسة على مقاعد الكونغرس، بل اختبار لطبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ولمستقبل النفوذ الأمريكي في العالم. وبالنسبة للفلسطينيين والعرب، فإن الرهان لا ينبغي أن ينحصر في هوية الحزب الفائز، وإنما في مدى قدرة التحولات السياسية الأمريكية على الانتقال من الخطاب الانتخابي إلى سياسات فعلية تعيد الاعتبار للقانون الدولي، وتحمي الحقوق الفلسطينية، وتضع حداً لازدواجية المعايير في التعامل مع قضايا المنطقة.