جاري التحميل...

قضايا في الفكر السلفي (2):

د. عدنان عويّد

الموقف الأشعري من السلفيّة:

ينسب الأشاعرة إلى “أبو الحسن الأشعري”, الذي كان معتزليّاً, ثم مَنَّ الله عليه كما تقول السلفيّة، وعرف بطلان مذهب ” المعتزلة “، فوقف في المسجد يوم الجمعة وأعلن براءته من مذهب المعتزلة، وخلع ثوبًا عليه وقال: (خلعت مذهبَ المعتزلة ، كما خلعتُ ثوبي هذا) ثم صار على مذهب ” الكُلاَّبِيَّة ” أتباع “عبد الله بن سعيد بن كُلاب”. وهذا بدوره كان يثبِت سبع صفات لله، وينفي ما عداها، وحسب رأيه في هذا القول: إن العقل لا يدل إلا على سبعِ صفات فقط : ” العلم ”  و ” القدرة ”  و ” الإرادة ” ، و”لحياة ، و ” السمع ”  و ” البصر ” و ” الكلام “.  ويقول هذه ما دَلَّ عليها العقل، أما ما لم يدل عليه العقل – عنده – فليس بثابتٍ, ثم أن “أبو الحسن الأشعري”، ترك مذهب ” الكُلابِيَّةِ “، ورجع إلى مذهب الإمام “أحمد بن حنبل”، وقال : ( أنا أقول بما يقول به إمام أهلِ السنة والجماعة أحمد بن حنبل: إن الله استوى على العرش، وإن له يدًا، وإن له وجهًا). وذكر هذا الانتماء في كتابه : “الإبانة عن أصول الديانة “، وفي كتابه الثاني “مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين “. ولكن أتباعه بقوا على مذهب ” الكُلابية “, رغم أن غالبهم لا يزالون على مذهبه الأول ولذلك يسمون بـ ” الأشعرية ” نسبة إلى الأشعري في مذهبه لأول. أما بعد أن ذهب إلى مذهب ” أهل السنة والجماعة “, فاستمراريّة انتسابه لمذهب “الكُلابِيَّة ” لم يعد صحيحاً، لأنه تراجع عن هذا المذهب، وصَنَّفَ في ذلك كتابه : ” الإبانة عن أصول الديانة “، وصرح برجوعه ، وتمسكه بما كان عليه ” أهل السنّة والجماعة ” – خصوصًا الإمام  “أحمد بن حنبل”، وإن كانت عنده بعض المخالفات، مثل قوله في الكلام: ( إنه المعنى النفسي القائم بالذات، والقرآن حكاية – أو عبارة – عن كلام الله ، وليس كلام الله بذاته) .(1).

 مفهوم الجهاد عند السلفية وأنواعه:

يعتقد السلفيون أن الجهاد بموجب أحكام الشريعة الإسلاميّة هو فرض كفاية, قد يتعين على أهل زمان ومكان معينين. وهي فريضة طلب ودفع, ويقصد بكونها طلباً أي الدعوة إلى الله ونشر كلمته, وكذلك كونها دفاعا أي الدفاع عن المقدسات الدينيّة وعن النفس والعرض والمال والعقل. ولهذا فقد حرص أئمة السلفيّة على الدعوة إلى الجهاد والحث عليه, كما قاموا بأداء واجبهم الجهادي بأنفسهم لمقاومة أعداء الإسلام كما حددوهم هم. (2).

يؤدي ازدراء الجهاد عند بعض السلفين في الدعوة السلفيّة التقليديّة, كونهم يتجهون إلى الاشتغال بالنشاطات الخيريّة, حيث يتحملون نفقات الأطفال في المدارس القرآنيّة ويجمعون العاطلين في المساجد للصلاة، ويعملون على إعادة تنظيم وجودهم بتقليد المثال النبوي حرفيّا، فهم يبعدون هؤلاء عن الجنوح والسلوكيات الاحتجاجيّة كما يبعدونهم عن السلفية الجهاديّة.

لقد جَرّتْ الامتثاليّة المطلقة للتيارات السلفيّة التقليديّة الدعويّة المحابيّة للسلطة على نفسها هجومها على أقطاب السلفيّة الجهاديّة, بحيث نعتوهم بالمهادنين والمعطلين بفريضة الجهاد. حتى أن بعضهم يصرون على تسمية اتجاههم الدعوي السلمي باسم أهل السنة والجماعة تمييزا للخط السلفي التقليدي. بيد أن الحركات الجهاديّة، لا تعتبر الجهاد سوى عمل فردي. بمعنى أنه غير مؤطر بأيديولوجيّا محددة يصبح معها الجهاد عملا جماعيّا مؤسساتيا. وبالرغم مما يعطيه الجهاديون من أهميّة وأولويّة للجهاد، فإنه يبقى واجبا شخصيّا (فرض عين) على كل فرد وفي كل وقت، في حين أن التقليد الجماعي ومنه التقليد السلفي التقليدي يعتبره واجبا جماعيّا (فرض كفاية)، أي أنه ينحصر ضمن حدود جغرافيّة وزمنيّة محددة، ويتوجب هذا الجهاد على كل جماعة تتعرض لتهديد عدواني. (3).

عموماً إن مسألة الجهاد التي جاءت تحت ما سمي (الاجتهاد الظني) وهو اتجاه معاصر, راحت تأخذ وجهاً آخر أكثر حدّة وتطرفاً تحت راية التنظيمات الجهادية السلفيّة  تجاه من يخالف فكرهم السلفي تحت ذريعة مصطلح “الكفر” الذي فتحوا دلالاته على كافة المستويات العقديّة والسياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة, وهذا ما نظر له الكثير من مشايخ هذه التيارات الجهادية وعلى رأسهم الشيخ ” عبد الله عزام” وكذلك الزرقاوي والمقدسي.. والظواهري وغيرهم.(5).

مسألة العصمة عند السلفية :

العصمة للأنبياء فقط, ولقد رفض دعاة السلفيّة تجسيد العصمة في أشخاص ومنحهم صفة العصمة، مهما تكن مكانتهم الدينيّة, وذلك رداً على الشيعة الذين يقولون بعصمة الأئمّة. هذا وقد أجمع أهل السلف على أن كل من يقول بعصمة غير الأنبياء ضال ومنحرف عن الدين الصحيح, بل إن بعض مشايخ السلفيّة وبخاصة الوهابيّة منهم قد كفر أهل العصمة. وتقول لسلفيّة إن الذي يتأمل نصوص الشرع ومصائر الأمم يدرك أن الخلط بين المبادئ والأشخاص، أو المبادئ والوسائل، يعتبر من أسوأ الأمراض الفكريّة والعمليّة. (4).

كاتب وباحث وناقد ادبي من سوريا:

[email protected]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- ( براجع في هذا الاتجاه : رسالة صغيرة بعنوان : ” لمحة عن الفرق الضالة” فضيلة العلامة د. صالح بن فوزان الفوزان. موقع منتدى الإسلام)

2- يراجع – مقال – المنطلقات الفكرية والعقدية للحركة السلفية – للباحث علي عبد العال- عن موقع جماعة نعاون المسلمين. وكذلك يراجع في هذا الاتجاه مقال : أهداف الدعوة السلفية” عن موقع – دناء الايمان

3-  يراجع مقال : السلفية التقليدية  والسلفية الجهادية- د. عبد الحكيم  ابو اللوز – مجلة الديمقراطية- 21/10/2012.

4-  راجع : مسألة في عصمة الأنبياء- موقع إسلام ويب.

5- راجع الموقع الرسمي للجيش اللبناني – السلفية الجهادية ….. أو الفرقة الناجية. العدد 63 – كانون الثاني. إعداد: د. عبد الغني عماد.