بقلم : الباحث والكاتب الفلسطيني – عماد خالد رحمة- برلين
في هذه اللحظات العصيبة التي تمرّ بها الجزائر الشقيقة، نقف، بقلوبٍ يعتصرها الألم، وبضمائر يحرّكها الوفاء، إلى جانب الشعب الجزائري العزيز، وإلى جانب كل أسرةٍ مسّها الخوف، وكل بيتٍ طرقه الحزن، وكل إنسانٍ وجد نفسه في مواجهة محنةٍ لا تُقاس شدتها إلا بما تتركه في الأرواح من وجعٍ وانتظار.
باسمي شخصياً، وباسم ندوة الفكر والأدب، وباسم مئات الكتّاب والمفكرين والأدباء الذين يشاركوننا هذا الموقف الإنساني النبيل، نعلن تضامننا الكامل ومؤازرتنا الصادقة للجزائر وشعبها في هذه المحنة.
فالجزائر ليست جغرافيا بعيدة عن وجداننا، ولا اسماً عابراً في خرائط التاريخ؛ إنها بلدٌ له في الذاكرة الفلسطينية والعربية مكانةٌ لا تُختزل في الكلمات. وبين فلسطين والجزائر قرابةٌ صنعتها المواقف، ورسّختها التضحيات، وحفظتها ذاكرة الشعوب.
وفي أوقات الشدائد تسقط المسافات، وتبقى الإنسانية وحدها قادرةً على بناء الجسور.
إن الألم لا يعترف بالحدود، ولا يسأل عن اللغة أو العِرق أو الدين؛ وحين يطرق الحزن أبواب الناس، تصبح مواساة الإنسان للإنسان أصدقَ وجوه الأخوّة، ويصبح الوقوف إلى جانب المنكوبين واجباً أخلاقياً قبل أن يكون موقفاً سياسياً أو ثقافياً.
ومن فلسطين، التي تعرف معنى الفقد والانتظار والصبر، نرسل إلى الجزائر رسالةً واضحة:
لستم وحدكم.
نقف إلى جانب كل أمٍّ ارتجف قلبها خوفاً على أبنائها، وكل أبٍ يحمل قلقه بصمت، وكل عائلةٍ تنتظر خبراً، وكل مصابٍ يصارع الألم، وكل متضررٍ فقد مأوى أو أمناً أو عزيزاً.
وننحني إجلالًا أمام أرواح الذين قضوا، سائلين الله أن يتغمدهم برحمته الواسعة، وأن يمنح ذويهم الصبر والقوة، وأن يشفي المصابين، ويحفظ المفقودين، ويعيد الطمأنينة إلى القلوب والسكينة إلى البيوت.
كما نحيّي بكل تقديرٍ وشرف رجال الحماية المدنية، والجيش، وفرق الإنقاذ، والطواقم الطبية، والمتطوعين، وكل المواطنين الشرفاء الذين يقفون في الصفوف الأولى، ويواجهون الخطر بقلوبٍ عامرةٍ بالشجاعة، ويضعون إنقاذ الإنسان فوق كل اعتبار.
إنهم في هذه اللحظات يجسدون المعنى النبيل للإنسان حين يتحول التضامن من كلمةٍ إلى فعل، ومن التعاطف إلى تضحية.
وإذ نرفع صوتنا بالتضامن مع الجزائر، فإننا نؤمن أن المحن، مهما اشتدت، لا تستطيع أن تهزم شعباً يمتلك ذاكرةً بهذا العمق، وإرادةً بهذا الرسوخ، وقدرةً على النهوض من بين الركام كما تنهض الأشجار من قلب الأرض بعد العاصفة.
فالجزائر التي عرفت كيف تنتزع حريتها من بين مخالب الاستعمار، قادرةٌ على أن تعبر عواصف المحن، وأن تستعيد عافيتها، وأن تفتح للغد نافذةً من الضوء.
ومن فلسطين، حيث تتعانق الجراح مع الأمل، نقول لأشقائنا في الجزائر:
نشارككم الحزن،
ونتقاسم معكم الدعاء،
ونحمل وجعكم في القلب،
ونؤمن أن بعد العسر فرجاً،
وأن الليل، مهما طال، لا يستطيع أن يمنع الفجر من الوصول.
اللهم احفظ الجزائر وأهلها، واحفظ مدنها وقراها، وارحم من رحلوا، واشفِ الجرحى والمصابين، واحفظ رجال الإنقاذ وكل من يواجه الخطر من أجل إنقاذ الآخرين، وألهم الأسر المفجوعة الصبر والثبات، وردّ إلى كل بيتٍ أمنه وطمأنينته.
من فلسطين إلى الجزائر،
من شعبٍ يعرف معنى الألم إلى شعبٍ يعرف معنى الكرامة،
من جرحٍ إلى جرح،
ومن قلبٍ إلى قلب:
نحن معكم.
نحن إلى جانبكم.
لن نترك وجعكم وحيداً.
وستبقى الجزائر في وجداننا بلداً شقيقاً، وشعباً عزيزاً، وذاكرةً لا تنطفئ في الضمير الفلسطيني والعربي.
رحم الله الضحايا،
شفى الله المصابين،
حفظ الله الجزائر وشعبها،
وأعاد إليها الأمن والسلام والعافية.