باحث في العلاقات الدولية
معهد فلسطين لأبحاث الامن القومي
يمثل الميل إلى المبالغة في الإعجاب بالذات وتضخيم الإنجازات، بالإضافة إلى السعي المستمر لتحقيق الانتصار في جميع الصراعات والأزمات السياسية والاقتصادية، جانباً محورياً من تكوين شخصية الرئيس ترامب، التي تشكلت من خلال خبراته كمطور عقاري ورجل أعمال. فهو يتعامل مع القضايا والأزمات العالمية، بما في ذلك حق تقرير المصير والسيادة الوطنية للدول، باعتبارها فرصاً لعقد صفقات يمكن التفاوض بشأنها بهدف تحقيق مكاسب شخصية أو وطنية. ومع ذلك، فإن هذا النهج القائم على مبدأ الفوز المطلق لا يتماشى دائماً مع تعقيدات السياسة الدولية ومتطلباتها، خصوصاً عندما تتعارض هذه الرؤية مع المصالح الحقيقية للناخبين الأمريكيين أو مع المبادئ الأساسية للنظام الدولي القائم.
وفقًا لاستطلاع رأي نشرته جامعة كوينيبياك بتاريخ 15 ابريل، فإن 38% فقط من الناخبين يوافقون على الطريقة التي يدير بها ترامب مهام منصبه كرئيس، مقابل 55% يعارض هذا النهج. في حين يعارض 58% من المستطلعين الطريقة التي يتعامل بها الرئيس مع الوضع مع إيران. ويحمله اثنان من كل ثلاثة ناخبين (قرابة 65%) مسؤولية الارتفاع الأخير في أسعار البنزين. (ويتسلل هذا الغضب بين الجمهوريين، حيث اوضحت النتائج ان ما نسبته 22% يُحمل ترامب مسؤولية الارتفاع الأخير في أسعار البنزين.
من ناحية اخرى، يستمر مؤشر الآراء السلبية تجاه إسرائيل ونتنياهو في الصعود بين الأمريكيين – لا سيما بين الشباب، واظهرت نتائج استطلاع رأي نشره موقع Pew Research بتاريخ 7 ابريل بعد مرور حوالي شهر على الحرب الامريكية ضد إيران، ان 60% من البالغين في الولايات المتحدة لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل، بزيادة عن نسبة 53% المسجلة العام الماضي. كما اظهرت نتائج الاستطلاع ان 59% لا يثقون كثيرًا أو لا يثقون مطلقًا في قدرة نتنياهو على اتخاذ الإجراءات الصحيحة فيما يتعلق بالشؤون العالمية – بزيادة عن نسبة 52% المسجلة العام الماضي.
وفقاً للاستطلاع، تصنف أغلبية البالغين الذين تقل أعمارهم عن 50 عامًا من كلا الحزبين السياسيين، إسرائيل ونتنياهو الآن تقييمًا سلبيًا. وينظر ستة من كل عشرة أمريكيين (60%) إلى إسرائيل نظرة سلبية جدًا أو سلبية إلى حد ما، بزيادة قدرها 7 نقاط مئوية عن العام الماضي 2025، وما يقرب من 20 نقطة مئوية منذ عام 2022. كما ارتفعت نسبة البالغين الأمريكيين الذين ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية جدًا (28٪) بمقدار 9 نقاط مئوية عن العام الماضي – وتضاعفت ثلاث مرات تقريبًا مقارنة بنسبة 10٪ في عام 2022.
في اوساط الحزب الديموقراطي اظهر استطلاع Pew ان ما نسبته 80% من الديمقراطيين والمستقلين ذوي ميول ديمقراطية ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية، وهو ما يمثل ارتفاعاً عن نسبة 69% المسجلة العام الماضي مقارنة بـــ 53% في العام 2022. ويبدو أن الديمقراطيين الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً أكثر قليلاً من الديمقراطيين الأكبر سناً في الإعراب عن نظرة سلبية للغاية تجاه إسرائيل (47% مقابل 39%).
انتشار ظاهرة الجرأة على انتقاد مواقف اسرائيل لم تتوقف على الشعب الامريكي بل امتدت لتطال مواقف اعضاء الكونجرس من الديموقراطيين، في خطوة تاريخية لم تشهدها اروقة الكونجرس ضد اسرائيل، صوت أكثر من 40 من اعضاء مجلس الشيوخ يوم 15 ابريل/نيسان -من بينهم مشرعين ينظر إليهم كمرشحين محتملين لخوض انتخابات الرئاسة عام 2028، لصالح قانون يمنع تقديم مزيد من المساعدات العسكرية لاسرائيل -القنابل والجرافات دون شروط. ورفض العلاقة القائمة على منح اسرائيل “شيكاً على بياض” لا ينقطع. وعلى الرغم من فشل مشروع القرار، الا ان الوميض الاحمر داخل مركز صنع القرار الامريكي يمكن رؤيته بوضوح. وعلق عضو مجلس الشيوخ وزعيم الحركة التقدمية داخل الحزب الديموقراطي ساندرز على هذ الموقف قائلاً، «هذا هو موقف الشعب الأمريكي. استطلاعات الرأي واضحة جدًا: الغالبية العظمى من الشعب الأمريكي لا تريد الاستمرار في تزويد نتنياهو بالأسلحة ودعم حروبه المروعة في الشرق الأوسط».
وفي خطوة يمكن اعتبارها غير مسبوقة في تاريخ الحزب الديموقراطي، اوصت اللجنة الوطنية للحزب في مشروع قرار رقم 14 المطروح امام لجنة القرارات في الحزب الديموقراطي، بإدراج المبادئ الواردة في الوثيقة المقترحة والتي تنص من بين امور اخرى على “اعتراف الحزب الديموقراطي بدولة فلسطين ودعم اعتراف الولايات المتحدة بالدولة الفلسطينية بما يتوافق مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة والالتزامات الحزبية الراسخة بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم”، ضمن برنامج الحملة الانتخابات القادمة للحزب عام 2028.
تشير الاستراتيجية الخارجية للإدارة الامريكية انها لم تعد مرتبطة بالقيم. ولا علاقة لها بنشر الديمقراطية المزعومة لشعوب العالم. كما انها بعيدة عن حجج الدفاع عن مبادئ العلاقات الدولية وسيادة القانون الدولي التي طالما تفاخرت الادارات الامريكية المتعاقبة بحراستها. وحلت مكانها عقيدة القوة العسكرية والدبلوماسية القسرية. على هذا النحو، فإن محاولات ترامب إعادة بناء حديقته الخاصة “لنجعل امريكا عظيمةً مرة اخرى” وإحاطتها بسياج سياسي واقتصادي متقلب، ما زالت تأتي بنتائج عكسية، وتنذر بسحب بطاقة الائتمان الاخيرة التي يراهن عليها ترامب في الكونجرس، وفقاً لمؤشرات استطلاعات الرأي.









