من الأغوار الفلسطينية إلى الموائد البلجيكية: قصة الأرض والصمود عبر التمور وزيت الزيتون

ليلى القاضي*

– مفوضة منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة في بلجيكا والاتحاد الأوروبي*

في مساء حمل نكهة الأرض الفلسطينية وروح التضامن الدولي، نظمت مؤسسة أوكسفام البلجيكية بالتعاون مع شركة الريف للاستثمار والتسويق الزراعي الفلسطينية، عشاءا تضامنيا مساء السبت الموافق الثامن من الشهر الجاري، بحضور عدد كبير من المتضامنين البلجيكيين مع القضية الفلسطينية، إلى جانب مهتمين بالتنمية الزراعية العادلة ودعم صمود المزارعين الفلسطينيين. وقد شكل هذا اللقاء مساحة إنسانية وثقافية جمعت بين المائدة الفلسطينية الأصيلة والرواية الحية لمعاناة المزارعين وإصرارهم على الاستمرار في إنتاج الأرض رغم التحديات السياسية والاقتصادية المتمثلة بالاحتلال الاسرائيلي وميليشيات مستوطنيه الإرهابية

جاء تنظيم هذا الحدث ضمن سلسلة من الأنشطة التي تقيمها مؤسسة Oxfam في عدد من المدن البلجيكية بهدف الترويج للمنتجات الزراعية الفلسطينية، وتعريف المستهلك الأوروبي بقصص الصمود التي تقف خلف كل عبوة زيت زيتون أو صندوق تمر أو منتج غذائي فلسطيني. وتسعى المؤسسة من خلال هذه المبادرات إلى تعزيز التجارة العادلة، حيث تُعرض المنتجات الفلسطينية في متاجر Oxfam المنتشرة في بلجيكا، ويعود ريع مبيعاتها مباشرة إلى دعم المزارعين الفلسطينيين وتمكينهم من الاستمرار في زراعة أراضيهم والحفاظ على مصدر رزقهم.

وكانت الفقرة الأبرز في الأمسية العرض التقديمي الذي قدمه الدكتور محمد حميدات، بحيث اصطحب الحضور في رحلة معرفية موثقة بالصور حول مراحل إنتاج اثنين من أهم المحاصيل الفلسطينية: التمر والزيتون. واستعرض حميدات بتفصيل علمي وعملي مراحل جني ثمار التمر في الأغوار الفلسطينية، بدءا من العناية بالنخيل ووصولا إلى عمليات الفرز والفحص المخبري التي تضمن سلامة المنتج وجودته وفق أساليب تحليلية آمنة ومعايير دقيقة تسمح بتسويق التمور الفلسطينية في الأسواق الدولية.

ولم يقتصر العرض على التمور، بل تناول كذلك الموسم الأكثر ارتباطاً بالهوية الفلسطينية، وهو موسم الزيتون. وشرح الدكتور حميدات مراحل قطاف الزيتون، والجهد الجماعي الذي تبذله العائلات الفلسطينية خلال هذا الموسم، وصولا إلى عصر الثمار وإنتاج زيت الزيتون الذي يعد رمزا اقتصاديا وثقافيا ووطنيا في آن واحد. وقد أظهرت الصور المعروضة تفاصيل العمل في الحقول والمعاصر، ما أضفى على الشرح بعدا بصريا مؤثرا جعل الحضور يتفاعل بوضوح مع كل مرحلة من مراحل الإنتاج.

ومن بين المشاركين الذين أضفوا على الأمسية طابعا واقعيا وإنسانيا خاصا، المزارع الفلسطيني زيدان عزوز من بلدة الجفتلك في منطقة الأغوار الفلسطينية. وقد مثل عزوز بصوته وتجربته اليومية نموذجا للمزارع الفلسطيني الذي يواجه ظروفا معقدة للحفاظ على أرضه ومصدر رزقه. وتحدث عن تجربته في زراعة النخيل وإنتاج التمور، وعن أهمية الدعم الدولي والتضامن الشعبي في تمكين المزارعين من الاستمرار رغم ما يحيط بهم من تحديات.

وبصفتي من بين الحاضرين ومن خلال متابعتي للحدث، بدا واضحا حجم الاهتمام الذي أبداه الجمهور البلجيكي، الذي تابع العرض باهتمام بالغ وتفاعل مع الصور والشهادات الميدانية التي قدمت خلال الأمسية. وقد عكست الأسئلة والنقاشات التي تلت العرض مستوى متقدما من الوعي بالقضية الفلسطينية، ليس فقط من منظور سياسي، بل أيضا من زاوية التنمية الاقتصادية وحق الفلسطينيين في الوصول إلى الأسواق العالمية بشروط عادلة تحفظ كرامتهم وتدعم صمودهم.

الرسالة التي خرج بها المشاركون من هذا اللقاء كانت أن شراء المنتجات الفلسطينية ليس مجرد قرار استهلاكي، بل هو موقف تضامني ملموس يترجم إلى دعم مباشر للأسر الزراعية الفلسطينية. فعندما يجد المستهلك البلجيكي زيت الزيتون أو التمور الفلسطينية على رفوف متاجر Oxfam، فإنه يشتري منتجا عالي الجودة ويحمل في الوقت ذاته قصة شعب يتمسك بأرضه ويحول الزراعة إلى شكل من أشكال المقاومة والبقاء.

وتؤكد هذه المبادرة أن التعاون بين المؤسسات الدولية الداعمة للتجارة العادلة والشركات الفلسطينية المنتجة، مثل شركة الريف للاستثمار والتسويق الزراعي، يمكن أن يفتح آفاقا واسعة أمام المنتجات الفلسطينية في الأسواق الأوروبية. كما يبرهن هذا الحدث على أن التضامن مع فلسطين لا يقتصر على الشعارات، بل يمتد إلى خطوات عملية تمكن المزارع الفلسطيني من مواصلة عمله والحفاظ على إرث زراعي متجذر في الأرض والتاريخ.