حين يذكّر بوتين العالم بفلسطين: القضية التي لم تغب رغم محاولات التغييب…

د . عبد الرحيم جاموس

في خضم مشهد دولي وإقليمي بالغ التعقيد، تتزاحم فيه الحروب والأزمات من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ومن أمن الطاقة إلى الممرات البحرية الدولية، جاءت إشارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى القضية الفلسطينية لتعيد تسليط الضوء على حقيقة سياسية واستراتيجية طالما حاول البعض تجاوزها أو القفز فوقها: أن فلسطين ليست قضية من الماضي، وليست ملفاً يمكن إغلاقه بالإهمال أو التهميش، بل هي واحدة من القضايا المؤسسة لحالة عدم الاستقرار المزمنة في المنطقة.

لم يكن حديث بوتين عن فلسطين مجرد مجاملة سياسية أو استدعاء عابر لقضية تاريخية، بل حمل في طياته رسالة تتجاوز حدود اللحظة الراهنة، مفادها أن العالم قد ينشغل بأزمات جديدة، لكنه لا يستطيع إلغاء الحقائق القديمة أو محو أسبابها. فالقضية الفلسطينية، رغم كل ما تعرضت له من محاولات تهميش وإقصاء، ما زالت حاضرة في الضمير الإنساني وفي الحسابات السياسية للدول الكبرى، لأن جوهرها يرتبط بقضايا الحرية والعدالة والشرعية الدولية وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

لقد اعتقد البعض خلال العقود الماضية أن التحولات الإقليمية المتسارعة، واتساع دائرة الصراعات العربية والإقليمية، والانشغال الدولي بملفات أخرى، ستؤدي تدريجياً إلى تراجع مكانة القضية الفلسطينية أو إخراجها من أولويات المجتمع الدولي. غير أن الوقائع أثبتت أن فلسطين تملك من العمق التاريخي والسياسي والأخلاقي ما يجعلها عصية على النسيان، وأن كل محاولة لتجاوزها سرعان ما تصطدم بحقيقة أن الاستقرار الحقيقي في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار الاحتلال وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية المشروعة.

ومع ذلك، فإن قراءة الموقف الروسي تتطلب قدراً من الواقعية السياسية. فالدول الكبرى لا تتحرك بدوافع أخلاقية مجردة، بل وفق حسابات المصالح والنفوذ والتوازنات الدولية. وروسيا، مثلها مثل الولايات المتحدة والصين وسائر القوى الدولية، تنظر إلى القضية الفلسطينية من خلال تداخل المبادئ والمصالح معاً. ومن هنا فإن أهمية تصريحات بوتين لا تكمن فقط في مضمونها السياسي، وإنما في توقيتها ورسائلها الموجهة إلى المجتمع الدولي، وفي إعادة التأكيد على أن تجاهل القضية الفلسطينية لن ينتج سلاماً دائماً ولن يوفر استقراراً مستداماً للمنطقة.

لكن السؤال الأهم ليس ماذا قال بوتين، بل ماذا يستطيع الفلسطينيون أن يفعلوا بهذا النوع من المواقف الدولية؟

فالقضية الفلسطينية لا تعاني اليوم من غياب التعاطف الدولي بقدر ما تعاني من ضعف القدرة الفلسطينية على استثمار هذا التعاطف وتحويله إلى إنجازات سياسية ملموسة. لقد حصل الشعب الفلسطيني على اعترافات وقرارات دولية ودعم سياسي واسع عبر العقود الماضية، لكن الانقسام الداخلي، وتعثر المؤسسات الوطنية، وغياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة، كلها عوامل أضعفت القدرة على توظيف هذا الرصيد الدولي الهائل في خدمة المشروع الوطني الفلسطيني.

إن أكبر خطر يواجه القضية الفلسطينية ليس أن ينساها العالم، بل أن تتراجع مكانتها في الوعي السياسي الفلسطيني ذاته، وأن تستمر حالة الانقسام والتشظي التي تستنزف طاقات الشعب الفلسطيني وتبدد فرص الاستفادة من التحولات الدولية والإقليمية الجارية.

ومن هنا فإن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من حديث بوتين هي أن القضية الفلسطينية ما زالت تمتلك حضوراً دولياً وقوة أخلاقية وسياسية قادرة على استقطاب التأييد والدعم، لكن هذا الحضور يحتاج إلى حامل وطني موحد، وإلى قيادة تمتلك رؤية واضحة، ومؤسسات قادرة على تمثيل الشعب الفلسطيني والدفاع عن مصالحه وتوظيف المتغيرات الدولية لصالح أهدافه الوطنية.

لقد أثبت التاريخ أن عدالة القضية شرط ضروري للانتصار، لكنها ليست شرطاً كافياً. فالحقوق تحتاج إلى قوة سياسية تحميها، وإلى وحدة وطنية تعبر عنها، وإلى مشروع وطني جامع يحول الدعم الدولي من مجرد بيانات وتصريحات إلى وقائع سياسية وإنجازات ملموسة على الأرض.

لقد أراد بوتين أن يذكّر العالم بأن فلسطين لم تختفِ، لكن التحدي الحقيقي يبقى في قدرة الفلسطينيين على تذكير العالم ــ وتذكير أنفسهم أولاً ــ بأن لديهم قضية عادلة وشعباً يستحق الحرية والاستقلال، ومشروعاً وطنياً قادراً على النهوض من جديد مهما اشتدت الأزمات وتعاظمت التحديات.

ففلسطين لم تغب عن التاريخ، ولن تغيب عن الجغرافيا السياسية للمنطقة، ولن يستطيع العالم أن يبني شرقاً أوسط مستقراً ومتوازناً ما دامت حقوق الشعب الفلسطيني معلقة بين قرارات الشرعية الدولية وعجز المجتمع الدولي عن تنفيذها.

وإذا كانت تصريحات بوتين قد أعادت فلسطين إلى واجهة النقاش الدولي، فإن المسؤولية الوطنية الفلسطينية تقتضي تحويل هذا الحضور المتجدد إلى فرصة سياسية جديدة، عنوانها الوحدة الوطنية، وإعادة بناء المؤسسات، واستعادة المبادرة، وتجديد المشروع الوطني الفلسطيني على أسس الشراكة والديمقراطية والتمثيل الحقيقي.

د . عبد الرحيم جاموس
الرياض
6/6/2026 م