السياسي – انتهت رئاسة بشار الأسد فجأة في الفترة الممتدة بين ليلة السابع والثامن من ديسمبر 2024، وفي عملية سرية محكمة، نقله مرافقوه في سيارة مصفحة برفقة نجله البكر حافظ ومستشارَيه الاقتصاديين نصار إبراهيم ومنصور عزام، فيما أقلت سيارة ثانية قحطان خليل رئيس استخبارات القوات الجوية وعلي أيوب وزير الدفاع السابق.
انطلق الركاب إلى مطار دمشق، وأقلعوا جواً نحو مطار اللاذقية، ومن هناك انتقلوا صمتا إلى طائرة روسية كانت بانتظارهم في قاعدة حميميم الجوية.
أقلعت الطائرة دون أضواء على ارتفاع منخفض لتجنب الرادار، وبعد ثلاث ساعات ونصف هبطت في موسكو، نُقل الركاب مباشرة إلى فندق فور سيزونز، غير أن مقربين من الأسد هُلعوا من تكلفة الإقامة البالغة 13 ألف دولار أسبوعيا لجناح فاخر، وحين لجأوا إليه طلبا للمساعدة المالية، لم يرد، فاضطروا إلى الانتقال فورا إلى فندق أرخص.
وقد وصفت بثينة شعبان، مستشارته الإعلامية السابقة، صدمتها حين أتت إلى مقر إقامته الرئاسي بحي المالكي صباح اليوم التالي لتجد المنزل خاليا والبوابات مشرعة: “لم أتخيل أبداً أن آثار الرئيس قد اختفت”.
وصل إلى موسكو أيضا شقيقه ماهر، قائد الفرقة الرابعة، قادما من العراق، وشقيقته بشرى من أبوظبي، أما زوجته أسماء التي سبق أن تلقت علاجا من سرطان الثدي عام 2018 وسرطان الدم عام 2024، فتشير تقارير حديثة إلى أنها تسعى للطلاق وتريد استعادة جواز سفرها البريطاني.
أبناؤه الثلاثة، حافظ (25 عاما) وزين (23 عاما) وكريم (22 عاما)، شوهدوا أحيانا في متاجر فاخرة بموسكو، وسافروا إلى أبوظبي للاصطياف، و”توسلوا للحصول على الإقامة”، لكن الرئيس الإماراتي محمد بن زايد رفض قطعيا منحهم إقامة دائمة، إذ حذر مسؤولون أمنيون إماراتيون من أنهم “سيصبحون أهدافا سهلة للاغتيال”.
واضطرت زين إلى الانسحاب من فرع جامعة السوربون في أبوظبي عقب احتجاجات طلابية، لتلتحق بمعهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، حيث حصلت في يونيو الماضي على شهادة البكالوريوس في حفل حضره والدتها وشقيقاها دون أبيها.
في 26 أبريل الماضي، انطلقت في دمشق سلسلة محاكمات تعرف بـ”محاكمات الأسد” أمام المحكمة الجنائية العليا، برئاسة القاضي فخر الدين العريان (83 عاما) الذي نجا من ملاحقة النظام السابق. غاب الأسد وشقيقه ماهر عن المحاكمة، وأمر القاضي بمصادرة حساباتهم المصرفية ونقل عقاراتهم وقصورهم إلى الدولة السورية.
وفي 15 مايو، مثل أمام المحكمة عاطف نجيب، ابن عم بشار وماهر، والرئيس الأسبق لجهاز أمن درعا، مقيدا بزي سجن مخطط، متهما بقتل وتعذيب عشرات الأطفال والنساء وكبار السن. وحضر ذوو الضحايا حاملين صور ستة عشر طفلا لقوا حتفهم تحت التعذيب.
جاءت المحاكمات إثر زيارتين قام بهما الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو عامَي 2025 و2026، طالب خلالهما بتسليم الأسد، ولما تعذر ذلك، أعلنت دمشق انطلاق المحاكمات بحقه غيابيا، ويعرض الشرع حاليا على بوتين صفقة: إعادة القوات الروسية إلى القاعدة البحرية في سوريا مقابل تسليم الأسد.
رغم منح بوتين الأسد صفة “لاجئ لأسباب إنسانية”، يؤكد مستشارو الكرملين أن الرئيس الروسي لم يلتق به ولا ينوي دعوته إلى الكرملين، ومنعه من الإدلاء بأي تصريح إعلامي، ووصف كتاب في صحيفتي “برافدا” و”إزفستيا” الأسد بأنه “شخص تافه لا يثير الاهتمام”.
كشف سقوط النظام عن تفاصيل ما جرى داخل القصر الرئاسي، فقد نُشر مقطع مصور يظهر فيه الأسد ومستشارته الإعلامية الراحلة لونا شبل في سيارة وهي تقوده، وهما يسخران من قرويين سوريين، قائلا: “يا لهم من أناس بائسين”.
وكانت شبل (48 عاما) قد لقيت حتفها في حادث مروري مريب في يوليو 2024 على الطريق بين قرة الفوار ودمشق، حين اصطدمت بها مركبة ثقيلة وظلت على الإسفلت ساعتين قبل نقلها إلى المستشفى، لتفارق الحياة بعد ثلاثة أيام. لم يُرسل القصر الرئاسي حتى إكليل زهور لجنازتها.
وأُلقي القبض على شقيقها ملهام، الملحق العسكري في بيلاروسيا، بتهمة التجسس لصالح إسرائيل والولايات المتحدة، ولم ير علنيا منذ ذلك الحين.
عادت طائرة إليوشن الروسية التي أقلت الأسد إلى موسكو أخيرا إلى سوريا بعد غياب سبعة عشر شهرا، في رمزية لافتة تعكس حجم التحول الذي تشهده المنطقة، أما الرجل الذي حكم سوريا باسم عائلته خمسة وخمسين عاما، فلا يزال في الطابق العلوي من برجه الموسكوفي، ينتظر في صمت مصيرا يقرره غيره.





