في فلسطين…
حيثُ يتكاثر التعب كما يتكاثر الزيتون على سفوح الجبال…
وحيثُ تمشي الأزمات في الطرقات كأنها جزءٌ من المشهد اليومي…
وحيثُ يحاول الاحتلال كل يوم، أن يفتح ثغرةً جديدةً في جدار الصمود الفلسطيني…
يقف رجالٌ لا يعرفون كيف يتراجعون.
رجالٌ لا تصنعهم المناصب…
ولا تُعرّفهم الرتب…
ولا يختصرهم الزي العسكري الذي يرتدونه…
بل تصنعهم الأمانة حين تثقل الأكتاف، ويعرّفهم الواجب حين يهرب الآخرون من قسوته.
هم أولئك الذين يحملون الوطن كما يحمل الأب طفله الوحيد وسط العاصفة…
ويحرسون الطمأنينة في عيون الناس كما يحرس الفلاح سنابل القمح من نار الصيف…
ويمضون إلى مواقعهم كل صباح، بينما يتركون خلفهم قلوبًا معلقة بالدعاء وأمهاتٍ يخبئن خوفهن بين تفاصيل الانتظار.
هؤلاء هم رجال المؤسسة الأمنية الفلسطينية…
رجال المخابرات العامة الذين يعملون في الظل كي يبقى الوطن في الضوء…
ورجال الشرطة الذين يحرسون النظام كما يحرس الراعي قطيعه من الذئاب…
ورجال الأمن الوقائي الذين يقفون على أبواب السلم الأهلي كي لا تعبر الفتنة إلى بيوت الفلسطينيين…
ورجال الاستخبارات العسكرية الذين يسهرون لتنام المدن مطمئنة…
ورجال الضابطة الجمركية الذين يحرسون لقمة الناس والاقتصاد الوطني من العبث والاعتداء…
ورجال الدفاع المدني الذين يدخلون إلى النار ليعيدوا الآخرين إلى الحياة.
وهناك أيضًا…
أولئك الذين لا يعرفهم أحد…
الجنود المجهولون الذين يمرون في حياة الوطن بصمت الأنبياء ونبل الفرسان…
يقفون في مواقعهم البعيدة وفي غرف العمليات وعلى أبواب المؤسسات وفي تفاصيل المسؤولية الصغيرة والكبيرة، دون أن يطلبوا من أحدٍ تصفيقًا أو مديحًا أو صورةً تذكارية.
ورغم القسوة التي أثقلت البلاد…
ورغم الضيق الذي طرق أبواب البيوت…
ورغم محاولات الاحتلال الدائمة لتشويه صورتهم والنيل من مكانتهم وضرب الثقة بينهم وبين أبناء شعبهم…
بقي هؤلاء الرجال أوفياء لقسمهم…
ثابتين كجبال فلسطين…
هادئين كحكمة الزيتون…
وعنيدين كإرادة هذا الشعب الذي لم يعرف يومًا طريق الانكسار.
لقد فهم الاحتلال مبكرًا أن الطريق إلى إضعاف الأوطان يبدأ بإضعاف الثقة بمؤسساتها، وأن الطريق إلى الفوضى يمر عبر كسر العلاقة بين الشعب وحراسه.
لكن فلسطين تعرف أبناءها جيدًا…
وتعرف أن رجل الأمن الفلسطيني ليس غريبًا عن وجعها…
بل هو ابن المخيم حين يجوع المخيم…
وابن القرية حين تتعب القرية…
وابن المدينة حين تضيق المدينة بأهلها.
ومن أعظم ما حافظت عليه المؤسسة الأمنية الفلسطينية عبر سنواتها، أنها أبقت السلاح الفلسطيني طاهرًا من الفوضى، نظيفًا من الفتنة، منحازًا إلى النظام والقانون والسلم الأهلي وهيبة الوطن.
وفي زمنٍ كثرت فيه الرياح، بقيت القيادة الفلسطينية متمسكة ببناء المؤسسات الوطنية وحمايتها وتعزيز حضورها، إيمانًا بأن الدولة تُبنى بالمؤسسات كما تُبنى بالتضحيات، وهو النهج الذي واصل الرئيس محمود عباس التمسك به حفاظًا على استقرار المجتمع الفلسطيني ووحدته وصموده.
واليوم…
ليس مطلوبًا من الفلسطيني أن يصفق لرجل الأمن…
بل أن ينصفه.
أن يراه كما هو…
ابنًا لهذا الشعب…
وحارسًا من حراسه…
وشريكًا في أوجاعه وأحلامه.
فالأجهزة الأمنية ليست جدارًا يفصل بين الشعب ووطنه…
بل جسرًا يحمي الوطن من السقوط.
التحية للمخابرات العامة…
وللشرطة الفلسطينية…
وللأمن الوقائي…
وللاستخبارات العسكرية…
وللضابطة الجمركية…
وللدفاع المدني…
ولكل جندي مجهول يقف في مكانه بصمت الرجال وكبرياء الأوفياء.
والتحية الأكبر لعائلاتهم…
لأمهاتهم اللواتي يزرعن الدعاء في الطرقات التي يسيرون فيها…
ولزوجاتهم اللواتي يتقاسمن معهم ثقل المسؤولية…
ولأبنائهم الذين يكبرون باكرًا لأن آباءهم اختاروا أن يكبر الوطن أولًا.
سيكتب التاريخ يومًا…
أن فلسطين، وسط هذا الركام الهائل من التعب، كان لها رجالٌ يشبهون أشجار الزيتون…
كلما اشتدت الريح…
ازدادوا رسوخًا في الأرض.
وأن الوطن، حين كان يبحث عن من يحرس بقاءه…
وجدهم واقفين.