جاري التحميل...

سيادة الثقافة: السلطة المؤسسة للأمة والسياسة والاقتصاد في خدمتها

لا تنهض الأمم بقوة جيوشها وحدها، ولا بعظمة اقتصادها فحسب، وإنما تنهض أولاً بقوة ثقافتها؛ فالثقافة هي العقل الجمعي للأمة، وذاكرتها التاريخية، ومنظومة قيمها، والمرجعية التي تُستمد منها شرعية السياسة، وتُرسم في ضوئها غايات الاقتصاد. وإذا كانت الدولة كياناً قانونياً وسياسياً، فإن الأمة كيان ثقافي وحضاري قبل كل شيء، إذ لا وطن بلا هوية، ولا هوية بلا ثقافة.
وقد أدرك الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون هذه الحقيقة حين صاغ مقولته الخالدة: «المعرفة قوة»، فالقوة الحقيقية لا تُقاس بما تمتلكه الدول من السلاح أو الثروة، وإنما بما تنتجه من معرفة، وما تبنيه من وعي، وما تغرسه من قيم. فالمعرفة هي السلطة التي تمنح المجتمع القدرة على تفسير العالم، وصناعة مستقبله، وتحريره من التبعية والجهل والاستلاب.

والثقافة، بهذا المعنى، ليست نشاطاً ترفيهياً أو مظهراً جمالياً يزين الحياة العامة، بل هي البنية العميقة التي تنتظم داخلها السياسة والاقتصاد والتعليم والإعلام والقانون والفنون والعلوم. إنها الإطار المرجعي الذي يمنح هذه القطاعات معناها واتجاهها، ويحولها من أدوات مادية إلى وسائل لبناء الإنسان.

ويرى المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي أن الهيمنة الحقيقية ليست هيمنة السلاح، وإنما الهيمنة الثقافية؛ فالسلطة التي تنجح في تشكيل وعي الناس وقيمهم تصبح أكثر رسوخاً من السلطة التي تعتمد على القوة المجردة. ومن هنا كانت الثقافة ميدان الصراع الأعمق بين مشاريع التحرر ومشاريع الاستبداد، وبين الاستقلال والتبعية.
ولعل ما يؤكد هذه الحقيقة أن الإنسان يولد داخل بيئة ثقافية قبل أن يدخل المدرسة أو الجامعة. فهو يكتسب لغته الأولى، وعاداته، ورموزه، وأخلاقه، وطرائق تفكيره، من أسرته ومجتمعه. وهكذا تتشكل الهوية بوصفها حصيلة تراكم تاريخي طويل، لا مجرد انتماء جغرافي أو قانوني.

غير أن الثقافة ليست بنية مغلقة أو جامدة، وإنما كائن حي يتطور باستمرار. فهي تستوعب الجديد، وتحاور الآخر، وتتفاعل مع المتغيرات العلمية والتقنية والاجتماعية، دون أن تتخلى عن جذورها الحضارية. ولذلك فإن قوة الثقافة لا تكمن في انغلاقها، بل في قدرتها على التجدد مع الحفاظ على أصالتها.
وقد جعل مالك بن نبي الثقافة الشرط الأول لأي مشروع حضاري، مؤكداً أن أزمة العالم العربي ليست أزمة موارد، بل أزمة أفكار، وأن الاستعمار لا يستطيع السيطرة على أمة تمتلك مناعة ثقافية ووعياً حضارياً. فالنهضة تبدأ من بناء الإنسان، وبناء الإنسان يبدأ من بناء الثقافة.

ومن هذا المنطلق، لا يجوز النظر إلى السياسة والاقتصاد بوصفهما خصمين للثقافة، بل شريكين لها. غير أن العلاقة الطبيعية تقتضي أن تكون الثقافة هي المرجعية، وأن تكون السياسة والاقتصاد أداتين لتحقيق مقاصدها الإنسانية. فحين تقود الثقافة السياسة، تتحول السلطة إلى خدمة المجتمع، وحين تهدي الاقتصاد، يصبح الإنتاج وسيلة لتحقيق العدالة والكرامة، لا أداة للاحتكار والاستغلال.
لقد أثبت التاريخ أن ازدهار الحضارات الكبرى، من وادي الرافدين ووادي النيل إلى الحضارتين الصينية والهندية، لم يكن ثمرة الثراء المادي وحده، بل نتيجة ازدهار الفكر والفلسفة والعلوم والفنون. كما أن طرق التجارة الكبرى، وفي مقدمتها طريق الحرير، لم تكن تنقل البضائع فحسب، بل كانت تنقل اللغات والأديان والآداب والاختراعات، فتصنع تفاعلاً حضارياً عميقاً بين الأمم.

وفي العصر الحديث، أعادت العولمة والثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي رسم خرائط القوة العالمية، فأصبحت المعرفة هي المورد الاستراتيجي الأول. ولم تعد الثروة الطبيعية وحدها معيار التقدم، بل أصبحت القدرة على إنتاج المعرفة وتوطين التكنولوجيا وصناعة الثقافة هي المعيار الحقيقي للتفوق الحضاري.
ويذهب بيير بورديو إلى أن الثقافة تمثل شكلاً من أشكال الرأسمال الرمزي، وهو رأسمال يفوق المال أثراً واستدامة، لأنه ينتج المكانة والشرعية والثقة الاجتماعية. أما إدوارد سعيد فقد بيّن أن الثقافة قد تتحول إلى أداة مقاومة في مواجهة الهيمنة، كما قد تُستغل وسيلةً لتبرير السيطرة إذا خضعت للخطاب الإمبراطوري.

ومن هنا نفهم لماذا سعت الأنظمة الشمولية، عبر التاريخ، إلى إخضاع الثقافة وتدجين المثقفين، لأنها تدرك أن الكلمة الحرة أخطر من السلاح، وأن الوعي المستنير أكثر قدرة على تقويض الاستبداد من أي قوة مادية. ولذلك جرى توظيف الإعلام والتعليم والفنون لخدمة السلطة، وتحويل الثقافة من قوة نقدية إلى جهاز دعائي يبرر السياسات ويمنحها هالة زائفة من القداسة.
إن هذا الانقلاب هو الذي جعل السياسة والاقتصاد يتقدمان على الثقافة، بعدما كانا في خدمتها. فأصبحت الثقافة، في كثير من المجتمعات، تابعة لمراكز النفوذ والمال، بدل أن تكون مرجعاً أخلاقياً ومعرفياً لها. وهذه المفارقة تمثل أحد أبرز أسباب التخلف الحضاري الذي تعانيه مجتمعات العالم النامي.

ولذلك أكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في وثائقها المتعلقة بالتنمية الثقافية أن الثقافة ليست قطاعاً ثانوياً، بل بعدٌ أساسي من أبعاد التنمية المستدامة، وأن أي مشروع للتحديث لا يراعي الخصوصية الثقافية للمجتمعات محكوم عليه بالفشل.
إن الثقافة العربية اليوم تواجه تحديات غير مسبوقة؛ فمن جهة تتعرض لمحاولات التهميش والتذويب في ظل العولمة، ومن جهة أخرى تواجه قراءات متطرفة، بعضها يقدس الماضي بصورة جامدة، وبعضها الآخر يهدمه باسم الحداثة، حتى غدا النقد عند بعضهم مرادفاً للهدم، والتجديد مرادفاً للقطيعة، والانفتاح مرادفاً للذوبان.

إن النقد الحقيقي لا يكون بجلد الذات، ولا بتشويه التاريخ، ولا بإسقاط الرموز الحضارية، بل بإعادة قراءتها قراءة علمية، تميز بين ما ينبغي الحفاظ عليه وما ينبغي تجاوزه. فالثقافة الواثقة بنفسها لا تخشى الحوار، ولا تخاف من الآخر، لأنها تمتلك من العمق الحضاري ما يؤهلها للتفاعل والإبداع، لا للانغلاق أو الذوبان.
ولذلك فإن بناء نهضة عربية جديدة يبدأ بإعادة الاعتبار للثقافة بوصفها السلطة المرجعية العليا، وجعل السياسة والاقتصاد في خدمة مشروعها الحضاري. فحين تستعيد الثقافة مكانتها، يستعيد الإنسان العربي ثقته بذاته، وتستعيد الأمة قدرتها على الإبداع، ويغدو الوطن فضاءً للحرية والعلم والعدالة، لا ساحةً للصراع والانقسام.

إن الثقافة ليست زينة للحياة، بل هي الحياة نفسها؛ إنها روح الأمة، وضميرها، وذاكرتها، وبوصلتها نحو المستقبل. وإذا كانت السياسة تدير الدولة، والاقتصاد يدير الأسواق، فإن الثقافة وحدها هي التي تدير التاريخ، وتصنع الإنسان، وتحفظ للأمم هويتها وكرامتها واستمرارها عبر الأجيال.