جاري التحميل...

أمريكا ترفض التعلم من إهانة أفغانستان في حربها مع إيران

السياسي – نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده كريغ جافي تساءل فيه عن السبب الذي يمنع الولايات المتحدة من التخلي عن إدمان الحروب، فبعد خمسة أعوام على نهاية أطول الحروب في تاريخها، بدأت اليوم حربا جديدة في إيران.

وقال جافي إن الانسحاب كان الأمر الأكثر صعوبة على الولايات المتحدة في حربها الطويلة بأفغانستان، حتى انتهت هذه الحرب بالهزيمة والفوضى، التي صادفت ذكراها الخامسة يوم الأحد، فقد تدفق مئات الآلاف من الأفغان، يائسين من الفرار من مسلحي طالبان، إلى مطار كابول. ولقي ثلاثة عشر جنديا أمريكيا حتفهم هناك في تفجير انتحاري.

ومنذ ذلك الوقت، ثبت أن المخاوف التي منعت ثلاثة رؤساء من الانسحاب من الحرب لا أساس لها من الصحة، فلم تصبح أفغانستان ملاذا للإرهاب أو منطلقا لهجمات على الولايات المتحدة.

وأضاف الكاتب أن الجيش الأمريكي هُزم اليوم في حرب جديدة في إيران. ومرة أخرى، تبدو آفاق النصر العسكري قاتمة، وحتى الرئيس ترامب ألمح إلى رغبته في الانسحاب من الحرب، ثم تراجع عن موقفه ودعا إلى البقاء.

وقال في خطاب ألقاه من المكتب البيضاوي في الربيع: “لسنا مضطرين للتواجد هناك، لسنا بحاجة إلى نفطهم ولسنا بحاجة إلى أي شيء يملكونه ولكننا هناك لمساعدة حلفائنا”.

وأضاف الكاتب أن الحرب الطويلة في أفغانستان أثارت العديد من الأسئلة الجوهرية للجنرالات وصناع القرار الذين يفكرون في مسار التعامل مع إيران: لماذا كان الانسحاب من أفغانستان صعبا إلى هذا الحد؟ وماذا يشير إليه هذا الصراع الطويل لتقبّل الهزيمة بشأن مأزق إدارة ترامب في إيران؟

ويجيب جافي أن أمريكا وجدت نفسها أمام سؤال الانسحاب في كل حرب خاضتها تقريبا ومنذ بروزها كقوة عالمية بعد الحرب العالمية الثانية.

ويقول أندرو آر. هوهن، كبير المحللين في مؤسسة راند، إن “الكثير مما انخرطنا فيه خلال العقود القليلة الماضية هو في الواقع محاولة لفرض النظام في الإمبراطورية”. وفي معظم الحالات، ذهبت القوات الأمريكية إلى الحرب لفرض النظام في عالم مضطرب أو للدفاع عن القيم الأمريكية. ويضيف هوهن: “نحن لا نخوض صراعات وجودية”.

ويرى الكاتب أن أول فرصة للولايات المتحدة للانسحاب جاءت بعد مقتل زعيم القاعدة، أسامة بن لادن. فقد مات الرجل الذي يقف وراء هجمات أيلول/سبتمبر 2001، في أيار/مايو 2011. وأدت غارات الطائرات المسيرة على مدى عقد من الزمن إلى تدمير تنظيمه. وأصبح القضاء على حركة طالبان، التي حكمت أفغانستان وآوت تنظيم القاعدة قبل الغزو الأمريكي، شبه مستحيل.

وكتب كارتر مالكسيان، الذي كان مستشارا للقادة الأمريكيين في أفغانستان، مقالا قبل فترة في مجلة “فورين أفيرز” قال فيه: “لو كان المسؤولون الأمريكيون يعلمون حينها ما يعلمونه الآن، لكان الكثير منهم، بمن فيهم أنا، قد طالبوا بقوة أكبر بالانسحاب المبكر”.

ويقول جافي إن دوافع الرؤساء والبنتاغون لمواصلة القتال كانت نابعة من مخاوف بشأن مصداقية أمريكا وشعور بالالتزام تجاه الحلفاء الأفغان الموثوق بهم وإدراك أن الهزيمة ستشوه تضحيات الجنود القتلى والجرحى.

وبالنسبة للعديد من هؤلاء الضباط، الذين فقدوا أصدقاء مقربين في مواجهات مع طالبان، كانت فكرة الانسحاب تتعارض مع سنوات من التدريب والخبرة.

وكتب مالكسيان: “ببساطة، أحد أسباب عدم انسحاب الأمريكيين من أفغانستان في وقت سابق هو أن الجيش الأمريكي قاتل من أجل النصر”.

وعليه، شعر قادة السياسة الخارجية والسياسيون بالقلق فيما يتعلق بمصداقية الولايات المتحدة على الساحة الدولية والتكاليف الباهظة التي قد يدفعونها في صناديق الاقتراع نتيجة خسارة الحرب.

وبحلول عام 2011، بدأت أعداد القوات الأمريكية في أفغانستان بالتناقص، وحينها أدركت حركة طالبان أن عليها البقاء وأن تستغل تعب القوات الأمريكية وتراجع رغبة الشعب الأمريكي المنهك في تحمل تكاليف الحرب.

ومع تضاؤل فرص هزيمة طالبان، بدأ القادة السياسيون الأمريكيون بتعديل أهدافهم، فركزوا على تقليل الخسائر البشرية وخفض تكاليف الحرب والحفاظ على الحكومة الأفغانية الفاسدة وغير الشعبية.

وتقول روزماري كيلانيك، مديرة برنامج الشرق الأوسط في منظمة “ديفنس برايوريتز”، التي تدعو إلى سياسة خارجية عسكرية أمريكية أكثر اعتدالا: “إنهم أشبه بطبيب في وحدة العناية المركزة يعلم أن المريض سيموت، لكنهم يأملون أن يموت المريض بعد انتهاء نوبتهم، فهم لا يريدون أن يكون ذلك في عهدهم”.

ومع ذلك استمرت الحرب لعقد آخر بعد مقتل بن لادن، وأودت بحياة 868 جنديا آخرين. وبدأ القادة الأمريكيون الذين قادوا القوات في السنوات الأخيرة من الحرب بالشعور أنهم يسيرون نحو الفشل.

وفي بودكاست حديث، تذكر الجنرال أوستن إس. ميلر، القائد السابق للقوات في أفغانستان، حالته النفسية عندما تم اختياره لهذا المنصب عام 2018، وكان يتوقع أن يعود من مهمته منهكا جدا وبسمعة مشوهة. وأضاف مازحا أن وضعه تلخصه خير تلخيص كلمات أغنية لفرقة الروك “ستيلي دان”: “أنا أحمق لأني سأقوم بأعمالك القذرة”.

وبالمقارنة، تعهد وزير الدفاع بيت هيغسيث في وقت سابق من هذا العام بأن الحرب في إيران لن تكون شبيهة بالحروب الطويلة في أفغانستان والعراق.

وكان هيغسيث قد شارك في كلا الصراعين كضابط شاب في الحرس الوطني للجيش. وقد تركته تلك التجربة غاضبا ومحبطا. وتحدث للصحافيين في آذار/مارس: “اسمعوا مني، أنا واحد من مئات الآلاف الذين قاتلوا في العراق وأفغانستان، وشاهدوا سياسيين سابقين طائشين مثل بوش وأوباما وبايدن يهدرون مصداقية أمريكا”.

وأضاف أن تلك الحروب كانت مستنقعات. ووعد بأن الحرب مع إيران ستكون مختلفة، و”مركزة بدقة” وقاتلة وسريعة، و”حاسمة”.

وأصر هيغسيث قائلا: “هذه ليست حرب العراق، هذه ليست حربا لا نهاية لها”.

وردت إيران على الهجمات العنيفة بإغلاق مضيق هرمز. وفي وقت سابق من هذا الصيف، أقر الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، بأن القنابل والصواريخ الأمريكية لن تكون كافية على الأرجح لهزيمة إيران أو حتى لإعادة فتح الممر المائي الحيوي أمام حركة الملاحة التجارية. وقال في شهادته أمام مجلس الشيوخ: “للقوة الجوية حدود” و”علينا أن نكون واعين لهذا”.

واليوم، تراهن الإدارة على أن الحصار البحري الأمريكي للصادرات الإيرانية عبر المضيق، بالإضافة إلى العقوبات الاقتصادية، سيحقق ما فشلت فيه الغارات الجوية السابقة.

وهناك مؤشرات أولية على ازدياد عدد السفن وصادرات النفط العابرة للمضيق. ورغم المكاسب المتواضعة، لم يعد القادة العسكريون الأمريكيون يتحدثون عن نصر سريع، بل يصفون حملة من شأنها أن تضغط على إيران لأشهر أو أكثر. وعندما سئل هيغسيث عن المدة التي يمكن للبحرية، المنهكة أصلا من عمليات الانتشار الطويلة، أن تستمر فيها في الحصار، أجاب: “بإمكاننا الصمود طالما دعت الحاجة، إلى أجل غير مسمى”.

ويشبه التحدي الذي يواجه الجيش الأمريكي اليوم ما واجهه في أفغانستان، فقد كان مقاتلو طالبان يقاتلون من أجل البقاء، وكذلك يفعل قادة إيران. وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن المخاطر أقل بكثير، وكذلك تكلفة الانسحاب.

ومن المرجح أن يتمكن الجيش الأمريكي من فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحا قبل بدء الحرب. قال توماس جي. ماهنكن، الذي شغل منصبا بارزا في البنتاغون في عهد الرئيس جورج دبليو بوش: “إنها مهمة قابلة للتنفيذ، لكنها ستتطلب جهدا على الأرض، نظرا لأن الإيرانيين أمضوا عقودا في بناء وتحصين مواقعهم”.

في الوقت الراهن، تبدو تكلفة هذه العملية، من حيث الخسائر البشرية والمادية، أعلى مما يرغب ترامب أو الشعب الأمريكي، الذي تظهر استطلاعات الرأي معارضته للحرب، في تحمله.

وقال الكاتب إن هيغسيث أحيا، يوم الأربعاء، الذكرى السنوية الخامسة لانتهاء حرب أفغانستان، حيث منح ثلاثة من مشاة البحرية المتقاعدين أوسمة شجاعة، اثنان منهم أصيبا بجروح بالغة جراء شظايا في التفجير الانتحاري الذي استهدف مطار كابول. وأشاد هيغسيث في كلمته ببطولتهم، قائلا: “عندما سعى الأشرار إلى بث الرعب، وقف هؤلاء الرجال كالأسود على البوابة، شجعان في عزمهم وثابتون في إرادتهم ولا يلينون في شجاعتهم”.

كما كان للحفل هدف ثانوي، إذ أعاد صياغة خسارة الجيش الأمريكي في حرب أفغانستان الطويلة وغير المرضية، ليصورها كنصر للجنود الذين انتشروا وقاتلوا.

وقال للجنود: “أنتم طليعة قوة فتاكة، فخورة، لا تقهر”، ثم منحهم ميدالياتهم التي طال انتظارها. ومع ذلك، لم يتحدث أحد عن هزيمة أمريكا في أفغانستان.