بقلم الدكتور صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2
لم تكن مأساة أبي حيّان التوحيدي مجرد مأساة أديب لم ينل ما كان يرجوه من الاعتراف والتقدير، بل يمكن قراءتها بوصفها تعبيرًا عن أزمة أعمق: أزمة الإنسان الذي يتسع وعيه بالعالم، بينما تضيق المسافة المتاحة له كي يعيش منسجمًا مع قيمه وأفكاره.
في هذه المفارقة تتشكل البذرة الفلسفية للغربة؛ فالإنسان لا يغترب فقط حين يُبعَد عن المكان الذي ينتمي إليه، بل قد يغترب وهو في قلب مجتمعه، وبين أهله ومعارفه، عندما يعجز عن العثور على علاقة تعترف بحقيقته الداخلية، أو على عالم ينسجم مع المعنى الذي يمنحه لوجوده.
لقد كشف التوحيدي، من خلال كتاباته وتأملاته في الصداقة والأخلاق والمعرفة، عن التوتر بين القيم المعلنة والمصالح الفعلية، وبين فضيلة الإنسان وموقعه الاجتماعي. ومن هنا يمكن أن نقرأ تجربته بوصفها مرآة لمحنة المثقف الذي يرى التناقضات، لكنه لا يملك دائمًا القدرة على تجاوزها.
إن المعرفة، في هذا السياق، ليست طريقًا إلى الطمأنينة وحدها؛ إنها أيضًا قدرة على كشف الأقنعة. فكلما ازداد الوعي، أصبح الإنسان أكثر حساسية تجاه التناقض بين الحقيقة ومظاهرها، وبين الصداقة والمصلحة، وبين الاستحقاق والاعتراف.
غير أن الغربة لا تنبع من المعرفة وحدها، بل من العلاقة المعقدة بين المعرفة والواقع. فقد يعرف الإنسان ما ينبغي أن يكون، ثم يكتشف أن العالم الذي يعيش فيه لا يتحرك وفق ما يؤمن به. عندئذ يتحول الوعي إلى تجربة مزدوجة: يمنح الإنسان القدرة على النقد، لكنه يحمّله في الوقت نفسه عبء رؤية ما يعجز عن تغييره.
وهنا يقترب التوحيدي، من زاوية القراءة المعاصرة، من بعض الأسئلة التي ستشغل الفلسفة الوجودية الحديثة. لكن هذا التقارب لا يعني أنه أسس مذهبًا وجوديًا بالمعنى الحديث؛ فمشروعه ينتمي إلى سياقه الفكري والتاريخي الخاص، بينما تسمح لنا المقارنة بإعادة اكتشاف أبعاد إنسانية تتجاوز حدود ذلك السياق.
إن ما يجمع هذه التجارب ليس تطابق الأفكار، بل السؤال المشترك عن علاقة الذات بالعالم، وعن الثمن الذي يدفعه الإنسان حين لا يجد بينهما انسجامًا.
ومن هنا تبرز الصداقة باعتبارها أكثر من علاقة اجتماعية؛ إنها امتحان للاعتراف المتبادل. فالإنسان لا يحتاج إلى الآخرين لمجرد وجودهم حوله، بل يحتاج إلى من يراه خارج حسابات المنفعة، ويعترف بقيمته دون أن يشترط عليه التخلي عن استقلاله.
وعندما تتحول العلاقات إلى مصالح متبادلة، يصبح القرب شكلًا من أشكال الوحدة، ويكتشف الإنسان أنه قد يكون محاطًا بالناس، لكنه محروم من العلاقة التي تمنح وجوده معنى إنسانيًا.
إن الغربة الحقيقية ليست دائمًا غربة المكان؛ إنها غربة الاعتراف والمعنى.
ومن منظور فلسفي وسوسيولوجي، لا ينبغي أن تتحول هذه الغربة إلى تمجيد للعزلة أو إلى اعتقاد بأن كل إنسان واعٍ محكوم عليه بالوحدة. فالمثقف يحتاج إلى النقد، لكنه يحتاج أيضًا إلى الحوار والانتماء والصداقة. والتحدي الحقيقي هو أن يحافظ على استقلال وعيه من دون أن يفقد قدرته على التواصل مع الآخرين.
هنا تتجلى المفارقة الكبرى في تجربة التوحيدي كما يمكن قراءتها اليوم: قد تمنح الغربة الإنسان مسافة يرى منها المجتمع بوضوح، لكنها قد تحرمه أيضًا من الدفء الذي يجعل الحياة قابلة للاحتمال.
ولعل السؤال الذي يظل مفتوحًا أمامنا هو: هل يغترب الإنسان لأنه لا يجد مكانًا في العالم، أم لأنه يكتشف أن العالم لا يشبه الصورة التي بناها عنه في وعيه؟
إن هذا السؤال لا يخص أبا حيّان التوحيدي وحده؛ إنه يخص المثقف في كل عصر، وكل إنسان يحاول أن يصالح بين ما يعرفه، وما يؤمن به، وما يستطيع أن يعيشه بالفعل.
وخلاصة القول: قد لا تكون مأساة الوعي أن يرى الإنسان العالم على حقيقته، بل أن يرى إمكانات إنسانية أوسع مما يسمح به واقعه. وبين العالم القائم والعالم الممكن، تتولد الغربة بوصفها ألمًا، لكنها قد تتحول أيضًا إلى طاقة نقدية تدفع الإنسان إلى البحث عن معنى أكثر صدقًا للوجود.