جاري التحميل...

ما قبل العروبة والإسلام: تفكيك الذات العربية بين التدويل والانهيار الداخلي:

بقلم : عماد خالد رحمة _ برلين.

حين تصل الأمة إلى لحظة استحقاق وجودي، لا تعود الأسئلة ترفاً فكرياً، بل ضرورة تمسّ الحياة ذاتها. ذلك أن ما يجري اليوم في العالم العربي، من تفكك وتدويل للأزمات وارتداد إلى ما قبل الهوية الحضارية، ليس فقط ارتكاسًا سياسيًا أو إخفاقًا عابرًا، بل تهديد بنيوي لكيان تاريخي وثقافي ظلّ يتماسك رغم العواصف لعقود طويلة.

يطرح العديد من الكتاب ، في نصوصهم العميقة، قراءة لافتة في جدلية الانهيار الذاتي والتدخل الخارجي، مفككًا بنظرة فلسفية وفكرية الأسباب التي أوصلت العرب إلى هذا المأزق: من العجز عن تعريب الأزمات إلى الارتهان لفاعلين خارجيين، ومن فقدان الثقة بالذات القومية إلى التهديد بالعودة إلى ما قبل العروبة والإسلام، أي إلى ما قبل التاريخ العربي الجامع.

أولاً: تدويل الأزمات وفقدان السيادة الرمزية

إنّ أخطر ما أصاب البنية السياسية والثقافية في العالم العربي هو تحويل أزماته الداخلية إلى “ساحة مفتوحة” لتدخلات القوى الكبرى. وهذا ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة لمسار طويل من الفقدان التدريجي للسيادة الرمزية التي تحدّث عنها أنطونيو غرامشي، حين وصف الهيمنة بأنها لا تبدأ من السلاح، بل من الثقافة والمخيال الجمعي.

وهكذا، غابت فكرة أن “الجلد لا يُحكّ إلا بالظفر”، كما في الحكمة العربية القديمة، وتحول القرار السيادي إلى منفى سياسي تقرره العواصم الكبرى، لا العقول الوطنية.
ثانيًا: الإرهاب كأداة تفكيك وإعادة تشكيل ما قبل الدولة
يرى صامويل هنتنغتون في نظريته حول “صدام الحضارات” أن ما بعد الحرب الباردة هو عصر انبعاث الهويات الأولية المتوحشة، أي الهويات ما قبل القومية. وهذا ما يتجلى في مشاريع إعادة رسم الخرائط الجغرافية والانثروبولوجية للعالم العربي، حيث لم يعد الإرهاب مجرد رد فعل همجي بل “أداة تفكيك”، تعيد تشكيل المنطقة على أساس الطوائف والقبائل والإثنيات، لا على أسس الدولة الحديثة.
الفيلسوف إدوارد سعيد في كتابه “الثقافة والإمبريالية” نبّه إلى خطورة تفكيك الشعوب باسم حقوق الإنسان أو محاربة الإرهاب، مؤكدًا أن الإمبريالية لا تزال تعيد إنتاج ذاتها تحت أقنعة مختلفة.
ثالثًا: الذات الجريحة… هل يمكن أن تُضمّد الجرح بيدها؟
الوعي العربي الحديث في حالة التباس حاد بين الحاجة إلى الدعم الخارجي والخوف من وصايته، وبين الشعور بالعجز والسعي نحو العصامية. وهنا نستعيد ما قاله هيغل عن أن “الأمم لا تنهض إلا حين تعي ذاتها جرحًا”، وهذا ما يُفترض أن يكون لحظة الانعطاف في العقل العربي.
وإذا كان العرب قد اعتادوا على أداء دور “شجرة اللبلاب” التي لا تقوم إلا على حائط خارجي، فإن الحاجة اليوم تدعو إلى زرع جذور عميقة في تربة الذات القومية، عبر مشروع نهضوي يعيد صوغ المفاهيم الكبرى: من التكافل إلى الأمن القومي، ومن العروبة الحضارية إلى الرؤية المستقبلية غير المرتهنة لحدود سايكس-بيكو أو لمؤامرات برنارد لويس وبرنارد ليفي.
رابعًا: نحو عقل عربي جديد… لا يقبل الرجوع إلى ما قبل العروبة
ما يشهده العالم العربي من دعوات لانفصال الهويات الطائفية والعرقية والمناطقية، هو ما سمّاه خيري منصور “العودة إلى ما قبل العروبة والإسلام”، أي إلى مرحلة السيولة الحضارية والانقسامات القبلية، حين كانت الجغرافيا بلا روح، واللغة بلا رسالة.
وإذا كانت الرؤية الاستشراقية الغربية تطمح إلى تفكيك المنطقة وإعادتها إلى “سوق بشرية بلا دولة”، فإن الرهان على الحاضر يتطلب من العرب أن يعيدوا قراءة ذواتهم خارج الخطاب الضحية، لأن الشعوب التي تظل تستجدي الإنصاف من الخارج، تفقد مبرر وجودها من الداخل.
خاتمة:
من الهامش إلى المتن… هل يخرج العرب من نفيهم؟

الرهان الأكبر في هذه المرحلة هو على بناء وعي عربي جديد، ليس فقط سياسيًا، بل فكريًا وفلسفيًا، وعي يُدرك أن الاستقلال يبدأ من اللغة والمفاهيم لا من البنادق فقط، وأن الحرب الحقيقية هي حرب على الحاضر باسم الماضي، وعلى الهوية باسم الحماية، وعلى الدولة باسم الخلاص الفردي أو الطائفي.
وكما قال مالك بن نبي: “الاستعمار ليس في أرضك فقط، بل في عقلك”، فإن تحرير الأرض يبدأ بتحرير الوعي من التبعية ومن ذلك الإيمان الساذج بأن الخارج قد يصوغ لنا مصيرًا أفضل مما نصنعه بأيدينا.

فهل آن أوان العقل العربي الجديد؟ أم أن العرب سيواصلون حفر قبورهم بأظافر مستعارة؟