بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.
أن تهرب من قدر الله إلى قدر الله، فذلك هو أن تبلغ أوج الوعي بجدلية القدر والحرية، وأن تفهم أن الوجود ليس معطىً جامداً يُلقى على الإنسان، بل ميدانٌ يتحقق فيه معنى الإنسان عبر إرادته التي هي نفحة من إرادة الخالق. إنّ هذه العبارة المنسوبة إلى عمر بن الخطاب ليست مجرد مقولة دينية، بل موقف أنطولوجي يتجاوز الثنائية التقليدية بين الجبر والاختيار، ليكشف أن الحرية ليست نقيضاً للقدر، بل شكلاً من أشكال حضوره في الذات الواعية.
في الرؤية الإسلامية، القدر ليس نفياً للحرية، بل شرطها؛ إذ إن الله لم يخلق الإنسان ليكون آلة تتحرك وفق برنامج مسبق، بل كائناً واعياً يستطيع أن يختار ضمن حدود الإرادة الإلهية الكبرى. وكما قال الإمام عليّ رضي الله عنه: القدر سرّ الله فلا تكشفه، وهو نظام العدل فلا تخرقه. فالقدر هنا ليس سقفاً يقيد، بل فضاءٌ يتيح للإنسان أن يكون شريكاً في صنع المعنى داخل حدود المشيئة المطلقة.
لقد أدرك المعتزلة هذا المعنى العميق حين ربطوا الحرية بالمسؤولية، وقالوا إن الإنسان “فاعلٌ مختار”، لأن نفي الحرية يعني نفي التكليف، ونفي التكليف يعني سقوط العدالة الإلهية. وهنا يتقاطع الفكر الإسلامي العقلاني مع الوعي الوجودي الحديث؛ فكما قال كيركغارد: إن الحرية ليست هبةً بل عبءٌ مقدّس، إذ تضع الإنسان أمام مسؤوليته الكاملة عن اختياره، وعن ذاته أمام الله والعالم.
أما ابن رشد، فكان يرى أن أفعال الإنسان تقع في دائرة علم الله لا في قيدها، وأن علم الله ليس سبباً لإلغاء الحرية، لأن علمه سابقٌ للأفعال لا موجبٌ لها. في هذا السياق، يتجلى القدر كـ نظام معرفي لا حتميّة ميكانيكية، وكأن الله يقول للإنسان: “تحرّك ضمن علمي، ولا تتقاعس باسم علمي.”
وفي المنظور الوجودي، يلتقي هذا المعنى مع قول سارتر إن الإنسان “محكوم بأن يكون حراً”، أي أنه لا يستطيع التهرب من مسؤولية اختياره حتى لو تذرّع بالظروف أو بالمصير. غير أن الحرية عند سارتر مأساوية لأنها تنطلق في فراغٍ وجودي بلا مرجع، بينما الحرية في الرؤية الإيمانية هي حرية ذات مرجع متعالٍ، تحيا في ضوء المطلق وتستمد معناها من الله، لا من العدم.
الإنسان الضعيف هو من يتخذ القدر ذريعةً لتبرير استكانته، فيتخلى عن فاعليته باسم “ما كُتب”. أما الإنسان الحرّ فهو من يدرك أن القدر لا يُقرأ في السطور بل يُكتب بالفعل، وأن إرادته ليست ضد الله، بل امتدادٌ لإرادة الله فيه. ولذلك قيل: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً — أي افعل ولا تبرر العجز بالسماء.
إنّ الاستضعاف في الأرض ليس قَدَراً بل استقالةٌ من الوعي. وما كان الله ليُمهِل الإنسان عقلاً وضميراً وحسّاً بالمسؤولية، ثم يطالبه بالركون إلى السكون. فالفعل هو صورة العبادة في الزمن، والوعي هو صلاتها الدائمة.
في نهاية المطاف، أن تهرب من قدر الله إلى قدر الله، هو أن تفرّ من الجهل إلى المعرفة، من الخضوع السلبي إلى الفعل الواعي، من الحتمية الصمّاء إلى الإيمان الذي يرى في الله ليس سيداً يملي، بل مطلقاً يدعو إلى المشاركة في الوجود. هناك فقط يتحقق المعنى الأسمى للحرية: أن تتحرك في الله، لا ضدّه، وأن تختار في رحم القدر، لا خارجه.