الحق العام ليس يتيماً: بين مسؤولية الهيئات المحلية وهيبة القانون

بقلم : د. عمر السلخي

عندما يتحول الرصيف إلى ملكية خاصة

في كثير من المدن والبلدات الفلسطينية، تجد أن الاعتداء على الحق العام أصبح مشهداً يومياً مألوفاً. رصيفٌ أُغلق أمام المارة، شارعٌ احتُلّ بالبسطات أو مواد البناء، مواقف عامة تحولت إلى استخدام خاص، وأراضٍ ومرافق عامة تتعرض للتعدي تحت ذرائع مختلفة.

المشكلة لا تكمن فقط في وقوع الاعتداء، بل في تحوّله أحياناً إلى أمر واقع يصعب تغييره مع مرور الوقت.

الهيئات المحلية في خط المواجهة الأول

تُعد البلديات والمجالس القروية الجهة الأقرب للمواطن والأكثر احتكاكاً بالتفاصيل اليومية للحياة العامة، ولذلك تقع على عاتقها مسؤولية حماية الممتلكات العامة وتنظيم استخدام المرافق المشتركة، لكن الهيئات المحلية غالباً ما تواجه معادلة صعبة:

– مطالب شعبية متزايدة.
– إمكانيات محدودة.
– ضغوط اجتماعية وعائلية.
– ضعف أدوات التنفيذ المباشر.

فالمجلس المحلي يستطيع توجيه الإنذار وتنظيم المخالفة، لكنه لا يستطيع دائماً فرض إزالة التعديات بالقوة القانونية اللازمة.

القانون موجود… ولكن التطبيق هو التحدي

لا تعاني فلسطين من نقص في النصوص القانونية المتعلقة بحماية الأملاك العامة وتنظيم البناء والطرق والمرافق، بل إن المشكلة الأساسية تكمن في تطبيق القانون بصورة عادلة ومتساوية.

فهيبة القانون لا تُقاس بعدد المواد القانونية المكتوبة، وإنما بقدرة المؤسسات على تنفيذها دون تمييز أو استثناء، وعندما يشعر المواطن أن المخالفة تمر دون محاسبة، فإن المخالفة تتحول من حالة فردية إلى ثقافة مجتمعية.

السلطة التنفيذية: الذراع التي تحمي النظام العام

هنا يأتي دور الأجهزة التنفيذية المختصة التي تشكل الحلقة الأهم في إنفاذ القانون، فالمطلوب ليس فقط إصدار القرارات، بل تنفيذها على أرض الواقع من خلال:

– إزالة التعديات.
– وقف المخالفات.
– حماية الموظفين أثناء أداء واجبهم.
– ضمان احترام القرارات الإدارية والقضائية.

فالقانون الذي لا يُنفذ يتحول إلى نصوص معلقة على الجدران.

المحاكم: الحَكَم بين الحقوق والواجبات

تلعب السلطة القضائية دوراً محورياً في الفصل في النزاعات المتعلقة بالحق العام والاعتداءات على الممتلكات والمرافق العامة.

وتزداد أهمية القضاء عندما تتعارض المصالح الخاصة مع المصلحة العامة، فالمحكمة لا تحمي الهيئات المحلية بحد ذاتها، وإنما تحمي مبدأ سيادة القانون وحقوق المجتمع ككل ، وكلما كانت الإجراءات القضائية أكثر سرعة وفاعلية، ازدادت قدرة المؤسسات على حماية الحق العام.

بين الحق الشخصي والحق العام

يخلط بعض المواطنين أحياناً بين حقوقهم الفردية وبين حقهم في التصرف بالممتلكات العامة، فالحق الشخصي مصان بالقانون، لكنه يتوقف عندما يبدأ الاعتداء على حق المجتمع، فلا يجوز أن يتحول الشارع إلى مستودع خاص، أو الرصيف إلى امتداد لمحل تجاري، أو الساحة العامة إلى ملكية فردية مهما كانت المبررات، فالحق العام ملك للجميع، وأي اعتداء عليه هو اعتداء على المجتمع بأكمله.

العدالة تبدأ بالمساواة

أخطر ما يواجه تطبيق القانون هو الانتقائية، فإذا أُزيلت مخالفة هنا وتُركت مخالفة هناك، أو طُبق القانون على شخص واستُثني آخر، فإن الثقة بالمؤسسات تبدأ بالتآكل،لذلك فإن حماية الحق العام تتطلب:

– المساواة أمام القانون.
– الشفافية في الإجراءات.
– وضوح القرارات.
– الحزم في التنفيذ.

ثقافة المسؤولية قبل ثقافة العقوبة

رغم أهمية القانون والعقوبات، إلا أن الحل المستدام يبدأ من الوعي المجتمعي، فالمواطن الواعي لا يحترم الحق العام خوفاً من المخالفة فقط، بل إيماناً بأن المرافق العامة ملك لأبنائه وأحفاده كما هي ملك له، ومن هنا تأتي أهمية التربية المدنية، والتوعية المجتمعية، والشراكة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المحلي.

إن حماية الحق العام ليست مسؤولية الهيئات المحلية وحدها، ولا مهمة المحاكم أو السلطة التنفيذية وحدها، بل هي منظومة متكاملة تبدأ بالمواطن ولا تنتهي عند القاضي. فالشارع، والرصيف، والحديقة، والمرفق العام ليست أملاكاً بلا أصحاب، وإنما هي ملك للمجتمع بأكمله، وعندما تتكامل أدوار الهيئات المحلية والقانون والقضاء والسلطة التنفيذية، يصبح الحق العام محمياً، وتصبح سيادة القانون واقعاً يراه المواطن في حياته اليومية لا مجرد شعار يقرأه في النصوص.