بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.
ثمة كتّاب لا تكفي سيرتهم الذاتية لتعريفهم، لأن حياتهم لا تنفصل عن الأمكنة التي أنجبتهم، ولا عن الأسئلة التاريخية التي رافقت وعيهم، ولا عن الجماعة الثقافية التي جعلوا من الكتابة إحدى صور وجودها ومقاومتها. ومن هؤلاء يأتي سامي مهنا؛ شاعراً وكاتباً ومحامياً وإعلامياً وناشطاً ثقافياً، حمل في تجربته الممتدة منذ تسعينيات القرن العشرين حتى اليوم، أكثر من وجه للكاتب الفلسطيني الذي لم ينظر إلى الأدب بوصفه ترفاً جمالياً معزولًا، بل بوصفه فعلًا من أفعال الوجود، ووسيلةً لحماية الذاكرة، ومجالًا لإعادة إنتاج السؤال الفلسطيني في اللغة والثقافة.
وُلد سامي شريف مهنا في البقيعة، في الجليل الفلسطيني، في ٢٢ أيلول/سبتمبر ١٩٧١ ، ونشأ في فضاء فلسطيني ظلّ التاريخ فيه حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية، وظلّت اللغة أكثر من أداة للتعبير؛ كانت إحدى علامات البقاء. ومن هذه البيئة تشكّلت ملامح تجربته الأولى، ثم أخذت هذه التجربة تتسع، عاماً بعد عام، من القصيدة إلى المسرح، ومن الإعلام إلى البحث الأكاديمي، ومن العمل الثقافي والمؤسسي إلى الرواية وأدب الأطفال واليافعين، لتغدو في مجملها مشروعاً أدبياً متعدد المنافذ، متصل الجذور، متحوّل الأشكال.
إن قراءة تجربة مهنا لا تستقيم إذا اختزلناها في عناوين دواوينه وحدها؛ فالرجل الذي كتب القصيدة، واشتغل بالمسرح، وراجع التراث، وكتب عن الحداثة، وقدّم البرامج الثقافية، وأدار مؤسسة أدبية، ومارس المحاماة، وأعدّ أنطولوجيا لشعر المقاومة الفلسطينية في الداخل، هو في حقيقة الأمر يمارس ثقافةً مركّبة تتجاور فيها وظيفة الشاعر مع وظيفة المثقف، وتتداخل فيها الكتابة مع الذاكرة، والفن مع المسؤولية، والجمال مع الانتماء.
الجليل: المكان الأول وذاكرة البدايات
في البقيعة، حيث تتجاور الطبيعة الجليلية مع طبقات التاريخ الفلسطيني، بدأت الحكاية. وليس المكان في تجربة سامي مهنا مجرد نقطة جغرافية في شهادة الميلاد؛ إنه أحد مكوّنات الوعي الذي ستعود إليه القصيدة بأشكال متعددة: في البحر، والقرية، والمدينة، والقدس، ويافا، وفي مفردات الأرض والغياب والحنين.
ومنذ البدايات الأولى، بدا أن الشاعر لا يريد أن يجعل من فلسطين موضوعًا جاهزًا للقصيدة، بل أراد أن يجعلها نسيجًا داخليًا في تكوين القصيدة. ولهذا تتجاور في تجربته الذاتية والوطنية، والغنائية والوجودية، والحنين والجمال، بحيث لا تبدو فلسطين خطاباً خارجياً مفروضاً على الشعر، بل قدراً جمالياً وتاريخياً يسكن بنيته العميقة.
البدايات الشعرية: من النار إلى العطر
دخل سامي مهنا المشهد الشعري من بوابة مجموعته الأولى:
«أصعد وسلّمي من نار»، المطبعة العربية الحديثة، القدس، ١٩٩٨.
ومنذ هذا العنوان الأول تلوح ثنائية ستظل حاضرة في تجربته: النار بما تحمله من احتراق ومواجهة، والسلم بما يوحي به من صعود وتجاوز. إنها ليست مجرد تسمية شعرية، وإنما عتبة إلى عالم يرى القصيدة مساحةً للحركة بين الجرح والأمل، بين الواقع والحلم.
ثم جاءت:
«أنت معي»، المطبعة العربية الحديثة، القدس، ٢٠٠٢،
ثم:
«أشعل الدنيا قصيدة»، مركز الحضارة العربية، القاهرة، ٢٠٠٥.
وفي هذه المرحلة تتبلور العلاقة بين الشاعر والقصيدة بوصفها علاقة فعل لا انفعال فقط؛ فالقصيدة عند مهنا ليست مرآة لما يحدث وحسب، وإنما طاقة على تحويل التجربة إلى لغة، وتحويل اللغة إلى حضور.
ثم صدرت:
«تلاوة الطائر الراحل»، دار الجندي للنشر والتوزيع، القدس، ٢٠١٢.
وهي مجموعة من نحو ١٥٠ صفحة، حملت في عنوانها نفسه مفارقةً بين «التلاوة» بما تحيل إليه من صوت وطقس وروح، و«الطائر الراحل» بما يختزن من دلالات الحرية والغياب والتحليق والموت.
ثم جاءت:
«يافا شهوة البحر»، دار الجندي للنشر والتوزيع، القدس، ٢٠١٨.
وهو عنوان يكشف عن أحد أبرز مفاصل المخيلة الشعرية لدى مهنا: تحويل المكان الفلسطيني إلى كائن حي، وإعادة كتابة المدن عبر الحواس والذاكرة والرغبة. فـ«يافا» هنا ليست مدينةً فقط، والبحر ليس منظرًا طبيعيًا؛ إنهما يتحولان إلى لغة للحنين، وإلى استعارة للوجود الفلسطيني الذي لا تنجح الجغرافيا السياسية في محوه من الوجدان.
ثم صدرت:
«بماذا يحلم الأعمى»، دار راية للنشر والتوزيع، ٢٠٢٥،
ثم:
«منشغلان بالعطر»، دار جفرا للنشر والتوزيع، تونس، ٢٠٢٦.
ومن «النار» إلى «العطر» يمكن للقارئ أن يتأمل مسافةً زمنية وجمالية طويلة؛ مسافة لم يتخلَّ خلالها الشاعر عن أسئلته الأولى، لكنه أعاد توزيعها داخل حساسية شعرية أكثر اتساعًا، تتجاور فيها الموسيقى مع الصورة، والرمز مع السرد، والحسي مع الوجودي.
الشاعر الذي لم يحبس القصيدة في كتاب
من السمات اللافتة في تجربة سامي مهنا أن قصيدته لم تكتفِ بالعيش على الورق. فقد اتجهت إلى الموسيقى والغناء والمسرح، وكأن الشاعر كان يبحث عن الجسد الصوتي الآخر للنص.
لقد لُحّنت أكثر من عشرين قصيدة من كلماته، وأدّاها فنانون فلسطينيون وعرب، فتحولت القصيدة من بنية مكتوبة إلى فضاء سمعي وجماهيري.
ومن أبرز هذه التجارب أوبريت «شمس العروبة»، الذي وضع ألحانه الموسيقار المصري صلاح الشرنوبي، وشارك فيه عدد كبير من الفنانين العرب، بما يؤكد قدرة النص على مغادرة الصفحة والتحول إلى عمل فني جماعي عابر للحدود.
كما ارتبط اسمه بتجربة ألبوم «أنت معي» الذي ضم أعمالًا من ألحان الفنان فوزي السعدي، بمشاركة عدد من الفنانين والفنانات.
وتواصل مشروع القصيدة المغنّاة مع الملحن الدكتور إميل جمال، حيث جرى تلحين مجموعة أخرى من قصائده بالفصحى والمحكية، وقدمت في عروض موسيقية ومسرحية، من بينها مشروع «لحن الهوى».
وغنّت الفنانة المغربية سلوى الشودري من كلماته، كما غنّت الفنانة التونسية نوال غشام قصيدة «المجد» من كلماته وألحان إميل جمال.
وهنا تتكشف خاصية جوهرية في مشروع مهنا: الشعر عنده قابل لأن يعيش في أكثر من جسد فني؛ في الصفحة، وعلى الخشبة، وفي الأغنية، وفي الصوت الجماعي.
«مأساة وضّاح»: حين تصبح القصيدة مسرحاً
لم يكن انتقال مهنا إلى المسرح خروجاً من الشعر، بل كان توسيعاُ لفضائه.
وفي «مأساة وضّاح»، المسرحية الشعرية الصادرة عن دار نشر ومكتبة كل شيء في حيفا عام ٢٠٢٠، يلتقي الشعر بالدراما، وتتجاور اللغة الشعرية مع البناء المسرحي.
وتضاف إلى هذه التجربة أعمال مسرحية عُرضت على الخشبة، من بينها:
«مشاهد مستقبلية» لليافعين،
«الحوت الأزرق» للأطفال،
«هشت»،
«أمل»،
«المصير».
وهذا التنوع يكشف أن مهنا لا يتعامل مع الأجناس الأدبية باعتبارها جزراً منفصلة؛ بل يراها حقولًا متجاورة يمكن للكاتب أن يعبر بينها دون أن يفقد صوته.
التراث والحداثة: الشاعر في مواجهة سؤال القصيدة
إذا كان الشعر هو المختبر الإبداعي، فإن البحث الأكاديمي هو المختبر النظري الذي حاول فيه سامي مهنا أن يفهم الأسئلة التي يمارسها شعريًا.
وقد أنهى دراساته العليا في اللغة والأدب العربي في جامعة حيفا، وأنجز بحثه حول:
«الحداثة الشعرية بين أدونيس وأبي تمام».
وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تضع شاعراً حديثاً مثل أدونيس في مواجهة شاعر تراثي كبير مثل أبي تمام، لا بهدف إقامة قطيعة بين القديم والجديد، وإنما لبحث إمكانات التجديد داخل التراث، وأشكال الحداثة التي يمكن اكتشاف جذورها في الشعر العربي القديم.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً: هل الحداثة قطيعة مع الماضي، أم إعادة اكتشاف له؟
وهو سؤال يتقاطع بوضوح مع تجربة مهنا الشعرية نفسها؛ فالشاعر الذي يكتب القصيدة الحديثة ويشتغل في الوقت نفسه على أبي تمام والمتنبي، يبدو منشغلًا بإقامة جسر بين الذاكرة الشعرية العربية والمخيّلة المعاصرة.
ومن هذا المسار يأتي عمله:
«أجمل أبيات المتنبي مع شرح معاصر»، (تحت الطبع)
وهو مشروع يرمي إلى إعادة تقديم المختارات المتنبيّة للقارئ المعاصر بلغة تفسيرية ميسّرة، بما يجعل التراث الشعري متاحًا خارج سياقه المدرسي الجامد.
«مختارات من شعر المقاومة الفلسطينية في الداخل»: ذاكرة جماعية في كتاب
من أهم أعمال سامي مهنا الثقافية والتوثيقية كتاب:
«مختارات من شعر المقاومة الفلسطينية في الداخل الفلسطيني ٤٨»،
الصادر عام ٢٠١٦ بدعم من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم – الألكسو.
ويكتسب هذا العمل قيمة تتجاوز فكرة المختارات الأدبية؛ لأنه ضم نصوصًا لـ ١٢٦ شاعراً من أجيال مختلفة، وبذلك تحول الكتاب إلى سجل من سجلات الذاكرة الشعرية الفلسطينية في الداخل.
إن أهمية هذا المشروع لا تكمن في عدد الشعراء وحده، بل في الفكرة الثقافية الكامنة وراءه: أن الأدب الفلسطيني في الداخل يحتاج إلى أن يُقرأ بوصفه جزءاً أصيلًا من الخارطة الشعرية الفلسطينية والعربية، لا بوصفه هامشاً ثقافياً منفصلًا.
وهنا ينتقل مهنا من موقع الشاعر إلى موقع حارس الذاكرة الأدبية؛ إذ لا يكتفي بأن يكتب نصه، بل يشارك في حفظ نصوص الآخرين، وفي منع أجيال كاملة من الشعراء من الوقوع في غياهب النسيان.
الإعلام: الكتابة وهي ترى المشهد من الجهة الأخرى
مارس سامي مهنا العمل الإعلامي الثقافي لسنوات، فأعدّ وقدم البرنامج الأدبي والثقافي «كلمات» في إذاعة الشمس، واستمر في هذا المجال سنوات، كما قدم برامج ومواد ثقافية عبر التلفزيون “تلفزيون مساواة وفلسطين”، وعمل محررًا للزوايا الثقافية في موقع عرب ٤٨، ومحررًا للشؤون الإسرائيلية في وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية «وفا».
وهذه التجربة الإعلامية تمنحه موقعاً مزدوجاً: فهو الكاتب الذي ينتج النص، والإعلامي الذي يلاحق النصوص والأصوات والأحداث.
ومن هنا يصبح الإعلام امتداداً للمشروع الأدبي؛ لأن الحوار مع الكتاب والمبدعين، واستضافة الأصوات الثقافية، ومتابعة الحياة الأدبية، كلها أشكال أخرى من الكتابة غير المباشرة.
المحاماة: الإنسان خلف النص
درس سامي مهنا الحقوق في جامعة إيست لندن، وعمل محامياً، كما ارتبط عمله بقضايا الأسرى الفلسطينيين في هيئة شؤون الأسرى والمحررين.
وقد يبدو للوهلة الأولى أن المحاماة تقع خارج المجال الأدبي، غير أن هذه المهنة تضع الكاتب أمام الإنسان في أكثر حالاته هشاشةً وصراعاً مع السلطة والقانون والمصير.
وهنا تكتسب التجربة المهنية معنى آخر؛ فالشاعر الذي يعيش مع اللغة، والمحامي الذي يتعامل مع القانون، والإعلامي الذي يشتغل على الخبر، والمثقف الذي يدير مؤسسة ثقافية، كلها وجوه لشخصية واحدة تبحث عن الإنسان بوصفه قضيةً مركزية.
الثقافة بوصفها مسؤولية عامة
كان لسامي مهنا حضور بارز في العمل المؤسسي الثقافي؛ فقد بادر وشارك عام ٢٠١٠ في إعادة تأسيس الاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين ٤٨، وتولى رئاسته خلال الفترة الممتدة من ٢٠١٠ إلى ٢٠١٩ .
وكانت هذه المرحلة حافلة بالفعاليات والندوات والأمسيات والمشاريع الأدبية، وبإعادة بناء جسور التواصل بين الأدباء الفلسطينيين في الداخل والمؤسسات الثقافية الفلسطينية والعربية.
ولم تكن رئاسة الاتحاد بالنسبة إليه وظيفة إدارية فحسب، بل كانت جزءاً من رؤيته إلى الثقافة باعتبارها فضاءً عاماً لحماية الهوية وصيانة الذاكرة وإنتاج الحوار.
كما شارك في مهرجانات ومؤتمرات وندوات في فلسطين والعالم العربي، وفي مصر والأردن والإمارات وتونس وغيرها، واختير عضواً في لجنة تحكيم مسابقة الشعر في قليبية بتونس.
وفي هذا الامتداد العربي تتضح حقيقة أن الثقافة الفلسطينية، مهما ضيّقتها الحدود السياسية، تستطيع أن تخلق لنفسها فضاءً عربياً أرحب عبر الكتاب والشعر والفن.
الترجمة: حين تغادر القصيدة حدود لغتها
تُرجمت قصائد ومقالات لسامي مهنا إلى الإنجليزية والإيطالية والإسبانية، ونُشرت نصوص له في منشورات وأنطولوجيات ومجلات أدبية خارج العالم العربي.
والترجمة هنا ليست مجرد انتقال لغوي؛ إنها انتقال للذاكرة من فضائها المحلي إلى فضاء إنساني أوسع.
فالقصيدة الفلسطينية حين تُترجم لا تحمل جمالياتها وحدها؛ إنها تحمل معها طبقة من التاريخ، وتفتح للقارئ الآخر نافذة على تجربة إنسانية كثيراً ما تحاصرها الصور السياسية الجاهزة.
الجوائز والتكريمات: اعتراف المؤسسة بالمنجز
نال سامي مهنا عدداً من الجوائز والتكريمات، من بينها تكريمات من الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، واتحاد كتاب المغرب، واتحاد كتاب وأدباء الإمارات، كما حصل على جائزة الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب في فئة الشعر عام ٢٠١٨، وتلقى تكريمات وجوائز أدبية وأكاديمية أخرى.
وتشير هذه الجوائز، في سياقها الأوسع، إلى انتقال تجربته من دائرة الحضور المحلي إلى دائرة الاعتراف العربي، وإلى أن منجزه الشعري والثقافي أصبح جزءًا من المشهد الأدبي الذي يتجاوز حدود الجليل والداخل الفلسطيني.
من «نهران» (جاهزة للنشر) إلى أفق الرواية
لا تتوقف تجربة سامي مهنا عند الشعر.
فالرواية حاضرة في مشروعه من خلال عمله «نهران»، الذي يمثل انتقالًا إلى السرد الروائي، إلى جانب «ثلاث حكايات شعرية» للأطفال واليافعين، ودراسته الأكاديمية حول الحداثة الشعرية، ومشروعه المتصل بالمتنبي.
وهذا التوسع لا يبدو نزوعاً إلى جمع الأجناس الأدبية بقدر ما يبدو نتيجة طبيعية لعقل إبداعي لا يرضى بالحدود الصارمة بين الشعر والسرد والنقد والمسرح.
فكل جنس أدبي يصبح عنده طريقة أخرى لطرح السؤال نفسه: كيف يمكن للغة أن تستوعب الإنسان في تعدده؟
الحضور النقدي: حين يصبح الشاعر موضوعًا للدرس
لم تعد تجربة سامي مهنا محصورة في فعل الكتابة؛ فقد دخلت كذلك إلى فضاء التلقي النقدي.
فقد كُتبت حول تجربته دراسات ومقالات نقدية عديدة، وتناولت أعماله الشعرية جوانب مختلفة من اللغة والصورة والبناء الفني والتحولات الأسلوبية والرؤية.
كما خُصصت كتب لدراسة تجربته الشعرية ومنجزه الأدبي، وهو انتقال بالغ الدلالة؛ لأن الكاتب يبلغ مرحلة أخرى من حياته الثقافية حين يتحول من صاحب النص إلى موضوع للنص النقدي.
وهنا تبدأ التجربة في مغادرة صاحبها، لتصبح ملكًا للقارئ والباحث والناقد والأجيال المقبلة.
أنطولوجيا النص: من الشاعر إلى الإنسان
إذا أردنا اختزال تجربة سامي مهنا في كلمة واحدة، فقد تكون الكلمة هي: الامتداد.
امتداد من القصيدة إلى الموسيقى.
ومن الشعر إلى المسرح.
ومن المسرح إلى الرواية.
ومن الإبداع إلى النقد.
ومن النص إلى الإعلام.
ومن الكاتب إلى المؤسسة الثقافية.
ومن فلسطين المحلية إلى الفضاء العربي.
ومن اللغة العربية إلى اللغات الأخرى.
ومن التجربة الفردية إلى الذاكرة الجماعية.
ولهذا فإن سيرة مهنا لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها قائمة إنجازات؛ فالقائمة تنتهي، بينما التجربة تستمر.
إنها سيرة كاتب نشأ في الجليل الفلسطيني، وظلّ مشدوداً إلى سؤال المكان، لكنه لم يجعل المكان سجناً للنص. حمل فلسطين في قصيدته، لكنه لم يحوّل الشعر إلى بيان سياسي. انشغل بالمقاومة، لكنه ترك للقصيدة حقها في الجمال. اشتغل في المؤسسة، لكنه ظل يبحث عن حرية النص. درس التراث، لكنه لم يستسلم له. كتب الحداثة، لكنه لم يقطع حبلها بالماضي.
وهذه المفارقات هي التي تمنح التجربة قيمتها.
سامي مهنا في ذاكرة الأدب الفلسطيني
حين نكتب عن شاعر فلسطيني من أبناء الداخل، فإننا لا نكتب عن فرد فحسب؛ إننا نكتب عن جزء من تاريخ ثقافي عاش في ظروف استثنائية، واستمر في إنتاج الشعر والأغنية والمسرح والنقد والإعلام رغم محاولات العزل والتهميش.
ومن هنا تأتي أهمية توثيق تجربة سامي مهنا للأجيال القادمة.
فالتوثيق ليس احتفاءً بالشخص بقدر ما هو حماية للذاكرة من النسيان.
والذاكرة الأدبية لا تُصان بالصور وحدها، ولا بالاحتفالات العابرة، وإنما بالكتب، والمختارات، والدراسات، والمخطوطات، والتسجيلات، والشهادات، والببليوغرافيات الدقيقة.
ولذلك فإن أعماله، وخصوصاً مشروعه التوثيقي لشعر المقاومة في الداخل الفلسطيني، تكتسب قيمة مضاعفة؛ لأنها تجعل من الأدب شاهداً على زمن، ومن الشاعر شاهداً على أدب.
الببليوغرافيا المختصرة لمنجز سامي مهنا
في الشعر:
١. «أصعد وسلّمي من نار» — ١٩٩٨.
٢. «أنت معي» — ٢٠٠٢ .
٣. «أشعل الدنيا قصيدة» — ٢٠٠٥.
٤. «تلاوة الطائر الراحل» — ٢٠١٢.
٥. «يافا شهوة البحر» — ٢٠١٨.
٦. «بماذا يحلم الأعمى» — ٢٠٢٥.
٧. «منشغلان بالعطر» — ٢٠٢٦.
في المسرح:
٨. «مأساة وضّاح» — مسرحية شعرية، ٢٠٢٠.
٩. «مشاهد مستقبلية».
١٠. «الحوت الأزرق».
١١. «هشت».
١٢. «أمل».
١٣. «المصير».
في التوثيق:
١٤. «مختارات من شعر المقاومة الفلسطينية في الداخل الفلسطيني ٤٨» — ٢٠١٦ ، وتضم مختارات لـ١٢٦ شاعراً من أجيال مختلفة.
في النقد والتراث:
١٥. «الحداثة الشعرية بين أدونيس وأبي تمام». (تحت الطبع)
١٦. «أجمل أبيات المتنبي مع شرح معاصر». (تحت الطبع)
في الرواية وأدب الأطفال واليافعين:
١٧. «نهران» — رواية. (تحت الطبع)
١٨. «ثلاث حكايات شعرية» — للأطفال واليافعين. (تحت الطبع)
خاتمة: ما يبقى من الشاعر
ليس الشاعر ما نشره فقط، ولا ما قيل فيه من مدائح، ولا عدد الجوائز التي حصل عليها، ولا عدد الأمسيات التي شارك فيها. الشاعر، في النهاية، هو الأثر الذي يتركه في اللغة وفي ذاكرة الذين سيأتون بعده.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى سامي مهنا بوصفه واحداً من الأصوات الفلسطينية التي جعلت من الشعر مساحةً للعيش في التاريخ دون أن تفقد القصيدة حقها في الحلم.
لقد كتب فلسطين، لكنه كتب معها الحب والبحر والمرأة والموسيقى والموت والغياب والذاكرة. وكتب التراث من موقع الباحث الذي لا يريد للماضي أن يتحول إلى متحف، بل يريد له أن يدخل في حوار حي مع الحاضر. وكتب للمسرح لأن القصيدة، في وعيه، ليست كلاماً صامتاً فحسب، وإنما صوت وجسد وحركة. وذهب إلى الإعلام لأن الثقافة لا ينبغي أن تبقى حبيسة الكتب. واشتغل في المؤسسة لأن الأدب، في لحظاته التاريخية الكبرى، يحتاج إلى من يحمي فضاءه العام.
ومن هنا فإن قيمة تجربته لا تكمن في تعدد منجزاته فحسب، بل في وحدة السؤال الذي يسري تحت هذا التعدد: سؤال الإنسان الفلسطيني، وسؤال اللغة، وسؤال الذاكرة، وسؤال الحرية، وسؤال قدرة الثقافة على أن تكون فعل بقاء.
وسيأتي يوم تصبح فيه هذه السنوات التي عاشها وكتبها وشارك في صناعة مشهدها جزءاً من التاريخ الثقافي الفلسطيني. وحينها لن يكون مهمًا فقط أن نعرف ماذا كتب سامي مهنا، بل أن نعرف لماذا كتب، ولمن كتب، وفي أي زمن كتب، وكيف تحولت حياته بين القصيدة والمسرح والإعلام والمؤسسة والموسيقى إلى شهادة على زمن فلسطيني كامل.
لهذا ينبغي أن تُحفظ هذه السيرة لا باعتبارها سيرة شاعر فحسب، بل باعتبارها وثيقة من وثائق الثقافة الفلسطينية المعاصرة؛ وثيقةً تقول للأجيال المقبلة إن الكتابة كانت، وما تزال، إحدى طرائق الإنسان في أن يقول: أنا هنا، وهذه لغتي، وهذا مكاني، وهذه ذاكرتي، ولن أتركها للغياب.
سامي مهنا: شاعرٌ من الجليل، وكاتبٌ في الذاكرة، ومثقفٌ عبر الحدود، وتجربةٌ لم تنتهِ بعد.