ليس كل من بقي استطاع أن يؤثر، لكن البقاء حين يقترن بالوعي والتنظيم يتحول من مجرد حماية للوجود إلى قدرة على التأثير في الواقع وصناعة بعض مساراته.
من هنا، يمكن فهم التجربة السياسية للفلسطينيين داخل الخط الأخضر فبعد النكبة، لم تكن المعركة مقتصرة على النجاة من الاقتلاع، بل امتدت إلى حماية الأرض والبيت والهوية، في مواجهة سياسات هدم المنازل، والقيود على البناء، والتمييز في مجالات العمل والتعليم، ومحاولات الحد من حضورهم السياسي والاجتماعي.
لقد كان البقاء في المرحلة الأولى فعلا تاريخيا في حد ذاته فحين يراد للإنسان أن يفقد مكانه، تصبح حماية البيت والأرض والارتباط بالمجتمع دفاعا عن حقه في الوجود. لكن البقاء، مهما بلغت أهميته يظل في أحد أبعاده استجابة لمحاولات الاقتلاع، بينما يفتح التأثير السياسي أفقا آخر الانتقال من الدفاع عن الوجود إلى المشاركة في تحديد الشروط التي يدار ضمنها هذا الوجود.
وهنا تكمن النقلة النوعية في التجربة الفلسطينية داخل الخط الأخضر. فالفلسطيني الذي تمسك بأرضه وبيته لم يبق محصورا في معركة الصمود اليومية، بل دخل ميادين التنظيم السياسي والعمل البرلماني والمجتمعي، وأصبح التمثيل العربي الفلسطيني في الكنيست حاضرا في النقاشات التشريعية، وفي بعض معادلات تشكيل الحكومات والائتلافات.
ولم يبق هذا التأثير مجرد فكرة نظرية، بل ظهرت له أمثلة ملموسة. ففي انتخابات عام 2020، حصلت القائمة المشتركة على 15 مقعدا في الكنيست، وهو ما عكس قدرة العمل السياسي العربي المشترك على تحقيق حضور برلماني واسع. وفي عام 2021، دخلت القائمة العربية الموحدة «رعام» للمرة الأولى شريكا رسميا في ائتلاف حكومي إسرائيلي، مستفيدة من موقعها في معادلة تشكيل الحكومة للتفاوض على مطالب تتصل بالمجتمع العربي واحتياجاته.
ومن الأمثلة الأخرى الخطة الاقتصادية الخمسية للمجتمع العربي، المعروفة بالقرار الحكومي 922، التي تناولت تخصيص الموارد لتقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية. كما شهد عام 2021 إقرار قانون الكهرباء، الذي استهدف تهيئة شروط ربط منازل بنيت دون تراخيص بشبكة الكهرباء، في ظل تعقيدات التخطيط والترخيص في البلدات العربية. وتظهر هذه الأمثلة كيف يمكن للعمل السياسي أن ينقل قضايا الناس اليومية، من السكن والبنية التحتية إلى الميزانيات والخدمات، إلى طاولة التفاوض وصنع القرار، وإن ظل تنفيذ الوعود وتحقيق النتائج الفعلية موضع اختبار وتقييم.
الفرق بين البقاء والتأثير هو الفرق بين أن تحافظ على مكانك داخل المعادلة، وأن تسعى إلى تغيير بعض شروطها.
فالبقاء يحمي الجذور من الاقتلاع، أما التأثير فيسعى إلى توسيع المساحة التي تستطيع هذه الجذور أن تنمو فيها. والبقاء يحفظ الوجود من المحو، أما التأثير فيحاول أن يجعل لهذا الوجود وزنا في مراكز اتخاذ القرار. الأول يؤكد أن الفلسطيني ما زال موجودا، والثاني يطرح سؤالا أكثر تعقيدا: إلى أي مدى يستطيع أن يغير واقعا تصاغ قوانينه ومؤسساته في ظل اختلال عميق في موازين القوة؟
لكن هذه النقلة لا تعني أن الحضور البرلماني يساوي امتلاك القرار، أو أن المشاركة السياسية تزيل التناقضات القائمة بين الهوية الوطنية الفلسطينية وبنية الدولة وسياساتها. فهناك فرق جوهري بين الوصول إلى المؤسسة والقدرة على التحكم بمخرجاتها، وبين التأثير في قرار محدد وتغيير البنية التي تنتج السياسات. ولهذا، فإن قيمة العمل البرلماني لا تقاس بمجرد عدد المقاعد أو الحضور الإعلامي، بل بقدرته الفعلية على حماية الحقوق، وتوسيع هامش العمل السياسي، والتأثير في التشريعات والسياسات، وتعزيز قوة المجتمع وتنظيمه.
ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى البقاء والتأثير باعتبارهما مرحلتين منفصلتين أو بديلين متعارضين. فالتأثير دون قاعدة مجتمعية متماسكة قد يتحول إلى حضور محدود، والبقاء دون تنظيم سياسي ومؤسسات قادرة على الدفاع عن الحقوق قد يترك المجتمع في موقع الاستجابة الدائمة للضغوط. العلاقة بينهما تكاملية: الأرض تمنح الحضور جذوره، والمجتمع يمنحه قوته، والوعي يحدد اتجاهه، والتنظيم يحوله إلى قدرة على الفعل.
الخاتمة
إن تجربة الفلسطينيين داخل الخط الأخضر تؤكد أن البقاء يحمي الوجود، لكن الوعي والتنظيم والعمل السياسي يحولونه إلى قدرة على التأثير. فالتحدي لا يكمن في الحفاظ على الأرض والهوية فحسب، بل في توظيف الحضور المجتمعي والسياسي للدفاع عن الحقوق وتغيير الواقع، مع إدراك حدود التأثير داخل منظومة لا تتكافأ فيها موازين القوة.
فمن حق البقاء تبدأ الحكاية، وبالوعي والعمل المنظم تتسع مساحة التأثير.
كاتب صحفي/كمال الرواغ