السياسي -متابعات
بعد نحو نصف قرن قضاه في عزلة شبه تامة، خرج القاتل المتسلسل البريطاني روبرت مودسلي عن صمته ليكشف تفاصيل حياته خلف القضبان، وينفي واحدة من أشهر الروايات التي ارتبطت باسمه لسنوات، وهي احتجازه داخل “صندوق زجاجي” تحت الأرض.
مودسلي، البالغ من العمر 73 عامًا، يُعد من أصحاب أطول فترات السجن في تاريخ المملكة المتحدة، وأمضى عشرات السنوات في الحبس الانفرادي بعد ارتكابه 4 جرائم قتل، بينها 3 وقعت أثناء احتجازه.
وفي أول مقابلة صحفية له منذ قرابة 50 عامًا، تحدث مودسلي إلى صحيفة “ديلي ميرور” عن ظروف احتجازه، كاشفًا أن الصورة المتداولة عن زنزانته لم تكن دقيقة.
حقيقة “الصندوق الزجاجي”
ولسنوات، ارتبط اسم مودسلي بروايات تزعم أنه يعيش في زنزانة زجاجية بالكامل تحت الأرض، في ظروف شُبهت بتلك التي ظهرت في أفلام تتناول شخصيات القتلة المتسلسلين.
لكنه نفى هذه الرواية، موضحًا أن زنزانته لم تكن صندوقًا زجاجيًا، وإنما احتوت على جدار واحد مصنوع من مادة “البيرسبكس”، وهي نوع من الزجاج الأكريليكي الشفاف.
وقال إن الهدف من الحاجز كان منع وصوله المباشر إلى الحراس أو إلقاء أشياء عليهم عند دخولهم إلى المنطقة المحيطة بزنزانته.
وكشف أن ظروف احتجازه في بعض المراحل كانت شديدة القسوة، إذ لم يكن يمتلك سوى فراش وإناء لقضاء الحاجة، بينما كان يضطر إلى تقليم أظافر قدميه عبر فتحة صغيرة في باب الزنزانة.
وفي مرحلة أخرى، توقف مودسلي عن التعاون مع الحراس، ما أدى إلى بقائه أكثر من عام من دون حلاقة أو قص شعره.
أكثر من 17 ألف يوم في العزلة
قضى مودسلي أكثر من 17 ألفًا و500 يوم في الحبس الانفرادي، فيما تصل فترة بقائه داخل زنزانته حاليًا إلى نحو 22 ساعة ونصف الساعة يوميًا.
وبعد وفاة القاتل إيان برادي عام 2017، أصبح اسم مودسلي مرتبطًا بأطول فترات الاحتجاز التي يقضيها سجين بريطاني خلف القضبان.
لكن قصته مع السجن بدأت قبل عقود، وتحديدًا عام 1974، عندما قتل جون فاريل خنقًا، بعدما قال إنه اكتشف بحوزته صورًا تتعلق باعتداءات جنسية على أطفال.
وبعد الجريمة، سلّم مودسلي نفسه للشرطة وطلب الحصول على مساعدة نفسية.
جرائم قتل داخل الاحتجاز
أُرسل مودسلي بعد قضيته الأولى إلى مستشفى “برودمور” للأمراض النفسية، لكن وجوده هناك لم يمنع وقوع جريمة جديدة، إذ قتل ديفيد فرانسيس، الذي كان مدانًا بجرائم جنسية.
وانتهى به المطاف لاحقًا في سجن “ويكفيلد” شديد الحراسة، المعروف بلقب “قصر الوحوش”، حيث قتل عام 1978 سجينين آخرين في يوم واحد، لترتفع حصيلة ضحاياه إلى أربعة.
وأحاطت بإحدى تلك الجرائم شائعة لاحقت مودسلي لعقود، إذ زعمت تقارير أنه فتح جمجمة أحد ضحاياه وأكل جزءًا من دماغه، ما أدى إلى إطلاق لقب “هانيبال بريطانيا” عليه.
إلا أن فحص الجثة لم يدعم رواية أكل الدماغ، وظلت القصة واحدة من أشهر الأساطير التي ارتبطت باسمه.
لا يريد الخروج من السجن
خطورة مودسلي دفعت السلطات إلى إبقائه خلف القضبان مدى الحياة، مع عدم وجود إمكانية للإفراج عنه.
واللافت أن مودسلي نفسه لا يعارض هذا المصير، إذ أقر في مقابلته الأخيرة بأنه قد يقتل مجددًا إذا أُطلق سراحه، ما يجعله مؤيدًا لاستمرار احتجازه.
لكن اعتراضه يتركز على طبيعة العزلة التي يعيشها منذ عقود، إذ وصف تجربته بأنها أشبه بـ”الدفن حيًا داخل تابوت خرساني”.
وتحدث عن مروره بفترات طويلة من الاكتئاب، منتقدًا طريقة تعامل إدارة السجون مع حالته النفسية وظروف عزله.
دعوات لإنهاء عزلته
ورغم تاريخه الإجرامي، ظهرت خلال السنوات الأخيرة أصوات تطالب بمراجعة ظروف احتجازه، من دون الدعوة إلى إطلاق سراحه.
وفي عام 2024، دعا ضابط السجون المتقاعد نيل سامورث إلى إنهاء العزلة الطويلة لمودسلي، معتبرًا أن تقدمه في العمر يجعل إعادة تقييم ظروف احتجازه أمرًا ضروريًا.
وقارن سامورث حالته بالسجين البريطاني الشهير تشارلز برونسون، مشيرًا إلى إمكانية التعامل مع مودسلي بطريقة مختلفة مع إبقائه تحت إجراءات أمنية مشددة.
وفي عام 2025، نُقل مودسلي إلى سجن “وايتمور” في مقاطعة كامبريدجشير، لكن الانتقال لم ينهِ اعتراضاته، إذ دخل في إضراب عن الطعام احتجاجًا على ظروف احتجازه، لتستمر قصة أحد أشهر سجناء بريطانيا بعد أكثر من نصف قرن على الجريمة التي أدخلته السجن.